فخر الدين الرازي
168
تفسير الرازي
الأول : أن دليل العقل من إسناد الأخس إلى الأفضل ، فإن كان حكم العقل معتبراً في هذا الباب كان قولكم باطلاً والوجه الثاني : أن نترك الاستدلال على فساد مذهبهم ، بل نطالبهم بإثبات الدليل الدال على صحة مذهبهم فإذا لم يجدوا ذلك الدليل فضده يظهر أنه لم يوجد ما يدل على صحة قولهم وهذا هو المراد من قوله : * ( أم لكم سلطان مبين * فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين ) * فثبت بما ذكرنا أن القول الذي ذهبوا إليه لم يدل على صحته ، لا الحس ولا الخبر ولا النظر ، فكان المصير إليه باطلاً قطعاً ، واعلم أنه تعالى لما طالبهم بما يدل على صحة مذهبهم دل ذلك على أن التقليد باطل ، وأن الدين لا يصح إلا بالدليل . المسألة الثانية : قوله : * ( اصطفى البنات على البنين ) * قراءة العامة بفتح الهمزة وقطعها من * ( اصطفى ) * ثم بحذف ألف الوصل وهو استفهام توبيخ وتقريع ، كقوله تعالى : * ( أم اتخذ مما يخلق بنات ) * ( الزخرف : 16 ) وقوله تعالى : * ( أم له البنات ولكم البنون ) * ( الطور : 39 ) وقوله تعالى : * ( ألكم الذكر وله الأنثى ) * ( النجم : 21 ) وكما أن هذه المواضع كلها استفهام فكذلك في هذه الآية ، وقرأ نافع في بعض الروايات : * ( لكاذبون * اصطفى ) * موصولة بغير استفهام ، وإذا ابتدأ كسر الهمزة على وجه الخبر والتقدير اصطفى البنات في زعمهم كقوله : * ( ذق إنك أنت العزيز الكريم ) * ( الدخان : 49 ) في زعمه واعتقاده . ثم قال تعالى : * ( وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً ) * واختلفوا في المراد بالجنة على وجوه الأول : قال مقاتل : أثبتوا نسباً بين الله تعالى وبين الملائكة حين زعموا أنهم بنات الله ، وعلى هذا القول فالجنة : هم الملائكة سموا جناً لاجتنانهم عن الأبصار أو لأنهم حزان الجنة ، وأقول هذا القول عندي مشكل ، لأنه تعالى أبطل قولهم الملائكة بنات الله ، ثم عطف عليه قوله : * ( وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً ) * والعطف يقتضي كون المعطوف مغايراً للمعطوف عليه ، فوجب أن يكون المراد من هذه الآية غير ما تقدم الثاني : قال : مجاهد قالت : كفار قريش الملائكة بنات الله ، فقال لهم أبو بكر الصديق : فمن أمهاتهم ؟ قالوا : سروات الجن ، وهذا أيضاً عندي بعيد لأن المصاهرة لا تسمى نسباً والثالث : روينا في تفسير قوله تعالى : * ( وجعلوا لله شركاء الجن ) * ( الأنعام : 100 ) أن قوماً من الزنادقة يقولون : الله وإبليس أخوان فالله : الخير الكريم وإبليس : هو الأخ الشرير الخسيس ، فقوله تعالى : * ( وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً ) * المراد منه هذا المذهب ، وعندي أن هذا القول أقرب الأقاويل . وهو مذهب المجوس القائلين بيزدان واهرمن ثم قال تعالى : * ( وقد علمت الجنة أنهم لمحضرون ) * أي : قد علمت الجنة أن الذين قالوا : هذا القول محضرون النار ويعذبون وقيل المراد ولقد علمت الجنة أنهم سيحضرون في العذاب ، فعلى القول الأول : الضمير عائد إلى قائل هذا القول ، وعلى القول الثاني : عائد إلى الجنة أنفسهم ، ثم إنه تعالى