فخر الدين الرازي

161

تفسير الرازي

اعلم أن هذه القصة الرابعة من القصص المذكورة في هذه السورة وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن عامر : * ( وإن إلياس ) * بغير همزة على وصل الألف والباقون بالهمزة وقطع الألف ، قال أبو بكر بن مهران : من ذكر عند الوصل الألف فقد أخطأ ، وكان أهل الشام ينكرونه ولا يعرفونه ، قال الواحدي وله وجهان أحدهما : أنه حذف الهمزة من إلياس حذفاً ، كما حذفها ابن كثير من قوله : * ( إنها لإحدى الكبر ) * ( المدثر : 35 ) وكقول الشاعر : ويلمها في هواء الجو طالبة والآخر أنه جعل الهمزة التي تصحب اللام للتعريف كقوله : * ( واليسع ) * . المسألة الثانية : في إلياس قولان : يروى عن ابن مسعود أنه قرأ وإن إدريس ، وقال إن إلياس هو إدريس ، وهذا قول عكرمة ، وأما أكثر المفسرين فهم متفقون على أنه نبي من أنبياء بني إسرائيل وهو إلياس بن ياسين ، من ولد هارون أخي موسى عليهم السلام ، ثم قال تعالى : * ( إذ قال لقومه ألا تتقون ) * والتقدير أذكر يا محمد لقومك : * ( إذ قال لقومك ألا تتقون ) * أي ألا تخافون الله ، وقال الكلبي ألا تخافون عبادة غير الله . واعلم أنه لما خوفهم أولاً على سبيل الإجمال ذكر ما هو السبب لذلك الخوف فقال : * ( أتدعون بعلاً وتذرون أحسن الخالقين ) * وفيه أبحاث : الأول : في ( بعل ) قولان أحدهما : أنه اسم علم لصنم كان لهم كمناة وهبل ، وقيل كان من ذهب ، وكان طوله عشرين ذراعاً وله أربعة أوجه ، وفتنوا به وعظموه ، حتى عينوا له أربعمائة سادن وجعلوهم أنبياء ، وكان الشيطان يدخل في جوف بعل ويتكلم بشريعة الضلالة ، والسدنة يحفظونها ويعلمونها الناس وهم أهل بعلبك من بلاد الشأم ، وبه سميت مدينتهم بعلبك . واعلم أن قولهم بعل اسم لصنم من أصنامهم لا بأس به ، وأما قولهم إن الشيطان كان يدخل في جوف بعلبك ويتكلم بشريعة الضلالة . فهذا مشكل لأنا إن جوزنا هذا كان ذلك قادحاً في كثير من المعجزات ، لأنه نقل في معجزات النبي صلى الله عليه وسلم كلام الذئب معه وكلام الجمل معه وحنين الجذع ، ولو جوزنا أن يدخل الشيطان فيجوف جسم ويتكلم . فحينئذٍ يكون هذا الاحتمال قائماً في الذئب والجمل والجذع ، وذلك يقدح في كون هذه الأشياء معجزات القول الثاني : أن البعل هو الرب بلغة اليمن ، يقال من بعل هذه الدار ، أي من ربها ، وسمي الزوج بعلاً لهذا المعنى ، قال تعالى : * ( وبعولتهن أحق بردهن ) * ( البقرة : 228 ) وقال تعالى : * ( وهذا بعلي شيخاً ) * ( هود : 72 ) فعلى هذا التقدير المعنى ، أتعبدون بعض البعول وتتركون عبادة الله . البحث الثاني : المعتزلة احتجوا بهذه الآية على كون العبد خالقاً لأفعال نفسه ، فقالوا : لو لم يكن غير الله خالقاً لما جاز وصف الله بأنه أحسن الخالقين ، والكلام فيه قد تقدم في قوله تعالى : * ( فتبارك الله أحسن الخالقين ) * ( المؤمنون : 14 ) . البحث الثالث : كان الملقب بالرشيد الكاتب يقول لو قيل : أتدعون بعلاً وتدعون أحسن الخالقين . أوهم أنه أحسن ، لأنه كان قد تحصل فيه رعاية معنى التحسين وجوابه : أن فصاحة