فخر الدين الرازي

148

تفسير الرازي

علم النجوم والاستدلال بمقايستها حرام ، لأن من اعتقد أن الله تعالى خص كل واحد من هذه الكواكب بقوة وبخاصية لأجلها يظهر منه أثر مخصوص ، فهذا العلم على هذا الوجه ليس بباطل . وأما الكذب فغر لازم لأنه ذكر قوله : * ( إني سقيم ) * على سبيل التعريض بمعنى أن الإنسان لا ينفك في أكثر أحواله عن حصول حالة مكروهة ، إما في بدنه وإما في قلبه وكل ذلك سقم . الوجه السابع : قال بعضهم ذلك القول عن إبراهيم عليه السلام كذبة ورووا فيه حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما كذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات " قلت لبعضهم هذا الحديث لا ينبغي أن يقبل لأن نسبة الكذب إلى إبراهيم لا تجوز فقال ذلك الرجل فكيف يحكم بكذب الرواة العدول ؟ فقلت لما وقع التعارض بين نسبة الكذب إلى الراوي وبين نسبته إلى الخليل عليه السلام كان من المعلوم بالضرورة أن نسبته إلى الراوي أولى ، ثم نقول لم لا يجوز أن يكون المراد بكونه كذباً خبراً شبيهاً بالكذب ؟ والوجه الثامن : أن المراد من قوله * ( فنظر نظرة في النجوم ) * أي نظر في نجوم كلامهم ومتفرقات أقوالهم ، فإن الأشياء التي تحدث قطعة قطعة يقال إنها منجمة أي متفرقة ومنه نجوم الكتابة ، والمعنى أنه لما سمع كلماتهم المتفرقة نظر فيها كي يستخرج منها حيلة يقدر بها على إقامة عذر لنفسه في التخلف عنهم فلم يجد عذراً أحسن من قوله : * ( إني سقيم ) * والمراد أنه لا بد من أن أصير سقيماً كما تقول لمن رأيته على أوقات السفر إنك مسافر . واعلم أن إبراهيم عليه السلام لما قال : * ( إني سقيم ) * تولوا عنه معرضين فتركوه وعذروه في أن لا يخرج اليوم فكان ذلك مراده * ( فراغ إلى آلهتهم ) * يقال : راغ إليه إذا مال إليه في السر على سبيل الخفية ، ومنه روغان الثعلب . وقوله : * ( ألا تأكلون ) * يعني الطعام الذي كان بين أيديهم ، وإنما قال ذلك استهزاء بها ، وكذا قوله : * ( ما لكم لا تنطقون * فراغ عليهم ضرباً ) * فأقبل عليهم مستخفياً كأنه قال فضربهم ضرباً لأن راغ عليهم في معنى ضربهم أو فراغ عليهم ضرباً بمعنى ضارباً . وفي قوله : * ( باليمين ) * قولان الأول : معناه بالقوة والشدة لأن اليمين أقوى الجارحتين والثاني : أنه أتى بذلك الفعل بسبب الحلف ، وهو قوله تعالى عنه : * ( وتالله لأكيدن أصنامكم ) * ( الأنبياء : 57 ) ثم قال : * ( فأقبلوا إليه يزفون ) * قرأ حمزة * ( يزفون ) * بضم الياء والباقون بفتحها وهما لغتان ، قال ابن عرفة من قرأ بالنصب فهو من زف يزف ، ومن قرأ بالضم فهو من أزف يزف ، قال الزجاج : يزفون يسرعون وأصله من زفيف النعامة وهو ابتداء عدوها ، وقرأ حمزة يزفون أي يحملون غيرهم على الزفيف ، قال الأصمعي يقال أزففت الإبل إذا حملتها على أن تزف ، قال وهو سرعة الخطوة ومقاربة المشي والمفعول محذوف على قراءته كأنهم حملوا دوابهم على اسراع في المشي ، فإن قيل مقتضى هذه الآية أن إبراهيم عليه السلام لما كسرها عدوا إليه وأخذوه ، وقال في سورة أخرى في عين هذه القصة * ( قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين * قالا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم ) * ( الأنبياء : 59 ، 60 ) وهذا يقتضي أنهم في أول الأمر ما عرفوه فبين هاتين الآيتين تناقض ؟ قلنا : لا يبعد أن يقال إن جماعة