فخر الدين الرازي

145

تفسير الرازي

تلك الإجابة كانت من النعم العظيمة ، وبيانه من وجوه الأول : أنه تعالى عبر عن ذاته بصيغة الجمع فقال : * ( ولقد نادانا نوح ) * والقادر العظيم لا يليق به إلا الإحسان العظيم والثاني : أنه أعاد صيغة الجمع في قوله : * ( فلنعم المجيبون ) * وذلك أيضاً يدل على تعظيم تلك النعمة . لا سيما وقد وصف تلك الإجابة بأنها نعمت الإجابة والثالث : أن الفاء في قوله : * ( لنعم المجيبون ) * يدل على أن حصول هذه الإجابة مرتب على ذلك النداء ، والحكم المرتب على الوصف المناسب يقتضي كونه معللاً به ، وهذا يدل على أن النداء بالإخلاص سبب لحصول الإجابة ، ثم إنه تعالى لما بين أنه سبحانه نعم المجيب على سبيل الإجمال ، بين أن الإنعام حصل في تلك الإجابة من وجوه الأول : قوله تعالى : * ( ونجيناه وأهله من الكرب العظيم ) * وهو على القول الأول الكرب الحاصل بسبب الخوف من الغرق ، وعلى الثاني الكرب الحاصل من أذى قومه والثاني : قوله : * ( وجعلنا ذريته هم الباقين ) * يفيد الحصر وذلك يدل على أن كل من سواه وسوى ذريته فقد فنوا ، قال ابن عباس : ذريته بنوه الثلاثة : سام وحام ويافث ، فسام أبو العرب وفارس والروم ، وحام أبو السودان ، ويافث أبو الترك . النعمة الثالثة : قوله تعالى : * ( وتركنا عليه في الآخرين * سلام على نوح في العالمين ) * يعني يذكرون هذه الكلمة ، فإن قيل فما معنى قوله : * ( في العالمين ) * قلنا معناه الدعاء بثبوت هذه التحية فيهم جميعاً أي لا يخلو أحد منهم منها ، كأنه قيل أثبت الله التسليم على نوح وأدامه في الملائكة والثقلين فيسلمون عليه بكليتهم ، ثم إنه تعالى لما شرح تفاصيل إنعامه عليه قال : * ( إنا كذلك نجزي المحسنين ) * والمعنى أنا إنما خصصنا نوحاً عليه السلام بتلك التشريفات الرفيعة من جعل الدنيا مملوءة من ذريته ومن تبقية ذكره الحسن في ألسنة جميع العالمين لأجل أنه كان محسناً ، ثم علل كونه محسناً بأنه كان عبداً لله مؤمناً ، والمقصود منه بيان أن أعظم الدرجات وأشرف المقامات الإيمان بالله والانقياد لطاعته . * ( وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ * إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ * إِذْ قَالَ لاَِبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَءِفْكاً ءَالِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * فَنَظَرَ نَظْرَةً فِى النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّى سَقِيمٌ * فَتَوَلَّوْاْ