فخر الدين الرازي
14
تفسير الرازي
ثم قال تعالى : * ( إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد ) * بياناً لغناه وفيه بلاغة كاملة وبيانها أنه تعالى قال : * ( إن يشأ يذهبكم ) * أي ليس إذهابكم موقوفاً إلا على مشيئته بخلاف الشيء المحتاج إليه ، فإن المحتاج لا يقول فيه إن يشأ فلان هدم داره وأعدم عقاره ، وإنما يقول لولا حاجة السكنى إلى الدار لبعتها أو لولا الافتقار إلى العقار لتركتها ، ثم إنه تعالى زاد بيان الاستغناء بقوله : * ( ويأت بخلق جديد ) * يعني إن كان يتوهم متوهم أن هذا الملك له كمال وعظمة فلو أذهبه لزال ملكه وعظمته فهو قادر بأن يخلق خلقاً جديداً أحسن من هذا وأجمل وأتم وأكمل . * ( وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ ) * . ثم قال تعالى : * ( وما ذلك على الله بعزيز ) * أي الإذهاب والإتيان وههنا مسألة : وهي أن لفظ العزيز استعمله الله تعالى تارة في القائم بنفسه حيث قال في حق نفسه : * ( وكان الله قوياً عزيزاً ) * وقال في هذه السورة : * ( إن الله عزيز غفور ) * واستعمله في القائم بغيره حيث قال : * ( وما ذلك على الله بعزيز ) * وقال : * ( عزيز عليه ما عنتم ) * فهل هما بمعنى واحد أم بمعنيين ؟ فنقول العزيز هو الغالب في اللغة يقال من عزيز أي من غلب سلب ، فالله عزيز أي غالب والفعل إذا كان لا يطيقه شخص يقال هو مغلوب بالنسبة إلى ذلك الفعل فقوله : * ( وما ذلك على الله بعزيز ) * أي لا يغلب الله ذلك الفعل بل هو هين على الله وقوله : * ( عزيز عليه ما عنتم ) * أي يحزنه ويؤذيه كالشغل الغالب . وقوله تعالى : * ( ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى ) * متعلق بما قبله ، وذلك من حيث إنه تعالى لما بين الحق بالدلائل الظاهرة والبراهين الباهرة ذكر ما يدعوهم إلى النظر فيه فقال : * ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) * أي لا تحمل نفس ذنب نفس فالنبي صلى الله عليه وسلم لو كان كاذباً في دعائه لكان مذنباً وهو معتقد بأن ذنبه لا تحملونه أنتم فهو يتوقى ويحترز ، والله تعالى غير فقير إلى عبادتكم فتفكروا واعلموا أنكم إن ضللتم فلا يحمل أحد عنكم وزركم وليس كما يقول : * ( أكابركم اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم ) * وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قوله : * ( وازرة ) * أي نفس وازرة ولم يقل ولا تزر نفس وزر أخرى ولا جمع بين الموصوف والصفة فلم يقل ولا تزر نفس وازرة وزرة أخرى لفائدة أما الأول : فلأنه لو قال ولا تزر نفس وزر أخرى ، لما علم أن كل نفس وازرة مهمومة بهم وزرها متحيرة في أمرها ووجه آخر : وهو أن قول القائل ولا تزر نفس وزر أخرى ، قد يجتمع معها أن