فخر الدين الرازي

124

تفسير الرازي

وجه المسارقة * ( فأتبعه ) * يعني لحقه وأصابه يقال تبعه وأتبعه إذا مضى في أثره وأتبعه إذا لحقه وأصله من قوله تعالى : * ( فأتبعه الشيطان ) * ( الأعراف : 175 ) وقد مر تفسيره وقوله تعالى : * ( شهاب ثاقب ) * قال الحسن ثاقب أي مضيء وأقول سمي ثاقباً لأنه يثقب بنوره الهواء ، قال ابن عباس في تفسير قوله : * ( والنجم الثاقب ) * ( الطارق : 3 ) قال : إنه رجل سمي بذلك لأنه يثقب بنوره سمك سبع سماوات والله أعلم . * ( فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَآ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ ) * في الآية مسائل : المسألة الأولى : في بيان النظم اعلم أنا قد ذكرنا أن المقصد الأقصى من هذا الكتاب الكريم إثبات الأصول الأربعة وهي الإلهيات والمعاد والنبوة وإثبات القضاء والقدر . فنقول إنه تعالى افتتح هذه السورة بإثبات ما يدل على وجود الصانع ويدل على وحدانيته وهو خلق السماوات والأرض وما بينهما وخلق المشارق والمغارب ، فلما أحكم الكلام في هذا الباب فرع عليها إثبات القول بالحشر والنشر والقيامة . واعلم أن الكلام في هذه المسألة يتعلق بطرفين أولهما إثبات الجواز العقلي وثانيهما إثبات الوقوع أما الكلام في المطلوب الأول فاعلم أن الاستدلال على الشيء يقع على وجهين أحدهما : أن يقال إنه قدر على ما هو أصعب وأشد وأشق منه فوجب أيضاً أن يقدر عليه والثاني : أن يقال إنه قدر عليه في إحدى الحالتين والفاعل والقابل باقيين كما كانا ، فوجب أن تبقى القدرة عليه في الحالة الثانية والله تعالى ذكر هذين الطريقين في بيان أن القول بالبعث والقيامة أمر جائز ممكن . أما الطريق الأول : فهو المراد من قوله : * ( فاستفتهم أهم أشد خلقاً ) * والتقدير كأنه تعالى يقول : استفت يا محمد هؤلاء المنكرين أهم أشد خلقاً من خلق السماوات والأرض وما بينهما وخلق المشارق والمغارب وخلق الشياطين الذين يصعدون الفلك ، ولا شك أنهم يعترفون بأن خلق هذا القسم أشق وأشد في العرف من خلق القسم الأول ، فلما ثبت بالدلائل المذكورة في إثبات التوحيد كونه تعالى قادراً على هذا القسم الذي هو أشد وأصعب ، فبأن يكون قادراً على إعادة الحياة في هذه الأجساد كان أولى ، ونظير هذه الدلالة قوله تعالى في آخر يس * ( أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم ) * ( يس : 81 ) وقوله تعالى : * ( لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ) * ( غافر : 57 ) وأما الطريق الثاني : فهو المراد من قوله : * ( إنا خلقناهم من طين لازب ) * والمعنى أن هذه الأجسام قابلة للحياة إذ لو لم تكن قابلة للحياة لما صارت حية في المرة الأولى والإله قادر على خلق هذه الحياة في هذه الأجسام ، ولولا كونه تعالى قادراً على هذا المعنى لما حصلت الحياة في المرة الأولى ، ولا شك أن قابلية تلك الأجسام باقية وأن قادرية الله تعالى باقية لأن هذه القابلية وهذه القادرية من الصفات الذاتية فامتنع زوالها فثبت بهذين الطريقين أن القول بالبعث والقيامة أمر