فخر الدين الرازي
106
تفسير الرازي
كان حي القلب ، ويحتمل وجهين أحدهما : أن يكون المراد من كان حياً في علم الله فينذره به فيؤمن الثاني : أن يكون المراد لينذر به من كان حياً في نفس الأمر ، أي : من آمن فينذره بما على المعاصي من العقاب وبما على الطاعة من الثواب * ( ويحق القول على الكافرين ) * أما قول العذاب وكلمته كما قال تعالى : * ( ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ) * ( السجدة : 13 ) وقوله تعالى : * ( حقت كلمة العذاب ) * ( الزمر : 71 ) وذلك لأن الله تعالى قال : * ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً ) * ( الإسراء : 15 ) فإذا جاء حق التعذيب على من وجد منه التكذيب ، وأما القول المقول في الوحدانية والرسالة والحشر وسائر المسائل الأصولية الدينية فإن القرآن فيه ذكر الدلائل التي بها تثبت المطالب . * ( أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ ) * ثم إنه تعالى أعاد الوحدانية ودلائل دالة عليها فقال تعالى : * ( أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً ) * أي ) من جملة ما عملت أيدينا أي ما عملناه من غير معين ولا ظهير بل عملناه بقدرتنا وإرادتنا . وقوله تعالى : * ( فهم لها مالكون ) * إشارة إلى إتمام الإنعام في خلق الأنعام ، فإنه تعالى لو خلقها ولم يملكها الإنسان ما كان ينتفع بها . وقوله : * ( وذللناها لهم ) * زيادة إنعام فإن المملوك إذا كان آبياً متمرداً لا ينفع ، فلو كان الإنسان يملك الأنعام وهي نادة صادة لما تم الإنعام الذي في الركوب وإن كان يحصل الأكل كما في الحيوانات الوحشية ، بل ما كان يكمل نعمة الأكل أيضاً إلا بالتعب الذي في الاصطياد ، ولعل ذلك لا يتهيأ ( إلا ) للبعض وفي البعض . وقوله تعالى : * ( فمنها ركوبهم ومنها يأكلون ) * بيان لمنفعة التذليل إذ لولا التذليل لما وجدت إحدى المنفعتين وكانت الأخرى قليلة الوجود . * ( وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ ) * ثم بين تعالى غير الركوب والأكل من الفوائد بقوله تعالى : * ( ولهم فيها منافع ومشارب ) * وذلك لأن من الحيوانات ما لا يركب كالغنم فقال : منافع لتعمها والمشارب كذلك عامة ، إن قلنا بأن المراد جمع مشرب وهو الآنية فإن من الجلود ما يتخذ أواني للشرب والأدوات من القرب وغيرها ، وإن قلنا : إن المراد المشروب وهو الألبان والأسمان فهي مختصة بالإناث ولكن بسبب الذكور فإن ذلك متوقف على الحمل وهو بالذكور والإناث . ثم قال تعالى : * ( أفلا يشكرون ) * هذه النعم التي توجب العبادة شكراً ، ولو شكرتم لزادكم