فخر الدين الرازي
99
تفسير الرازي
فلا يكون فيها فساد لأن كل فاسد باطل وإذا لم يكن فيها فساد لا تكون آلهة وإلا لكان فيها فساد كما قال تعالى : * ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) * ( الأنبياء : 22 ) وقوله : * ( وأجل مسمى ) * يذكر بالأصل الآخر الذي أنكروه . ثم قال تعالى : * ( وإن كثيراً من الناس بلقاء ربهم لكافرون ) * يعني لا يعلمون أنه لا بد بعد هذه الحياة من لقاء وبقاء إما في إسعاد أو شقاء ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قدم ههنا دلائل الأنفس على دلائل الآفاق ، وفي قوله تعالى : * ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ) * ( فصلت : 53 ) قدم دلائل الآفاق ، وذلك لأن المفيد إذا أفاد فائدة يذكرها على وجه جيد يختاره فإن فهمه السامع المستفيد فذلك وإلا يذكرها على وجه أبين منه وينزل درجة فدرجة ، وأما المستفيد فإنه يفهم أولاً الأبين ، ثم يرتقي إلى فهم ذلك الأخفى الذي لم يكن فهمه فيفهمه بعد فهم الأبين المذكور آخراً ، فالمذكور من المفيد آخراً مفهوم عند السامع أولاً ، إذا علم هذا فنقول ههنا الفعل كان منسوباً إلى السامع حيث قال : * ( أولم يتفكروا في أنفسهم ) * يعني فيما فهموه أولاً ولم يرتقوا إلى ما فهموه ثانياً ، وأما في قوله : * ( سنريهم ) * الأمر منسوب إلى المفيد المسمع فذكر أولا ً : الآفاق فإن لم يفهموه فالأنفس لأن دلائل الأنفس لا ذهول للإنسان عنها ، وهذا الترتيب مراعى في قوله تعالى : * ( الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ) * ( آل عمران : 191 ) أي يعلمون الله بدلائل الأنفس في سائر الأحوال * ( ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ) * بدلائل الآفاق . المسألة الثانية : وجه دلالة الخلق بالحق على الوحدانية ظاهر ، وأما وجه دلالته على الحشر فكيف هو ؟ فنقول وقوع تخريب السماوات وعدمها لا يعلم بالعقل إلا إمكانه ، وأما وقوعه فلا يعلم إلا بالسمع ، لأن الله قادر على إبقاء الحادث أبداً كما أنه يبقى الجنة والنار بعد إحداثهما أبداً ، والخلق دليل إمكان العدم ، لأن المخلوق لم يجب له القدم فجاز عليه العدم ، فإذا أخبر الصادق عن أمر له إمكان وجب على العاقل التصديق والإذعان ، ولأن العالم لما كان خلقه بالحق فينبغي أن يكون بعد هذه الحياة حياة أخرى باقية لأن هذه الحياة ليست إلا لعباً ولهواً كما بين بقوله تعالى : * ( وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب ) * ( العنكبوت : 64 ) وخلق السماوات والأرض للهو واللعب عبث ، والعبث ليس بحق وخلق السماوات والأرض بالحق فلا بد من حياة بعد هذه . المسألة الثالثة : قال ههنا : * ( كثيراً من الناس ) * وقال من قبل : * ( ولكن أكثر الناس ) * وذلك لأنه من قيل لم يذكر دليلاً على الأصلين ، وههنا قد ذكر الدلائل الواضحة والبراهين اللائحة ولا شك في أن الإيمان بعد الدليل أكثر من الإيمان قبل الدليل ، فبعد الدلائل لا بد من أن يؤمن من ذلك الأكثر جمع فلا يبقى الأكثر كما هو ، فقال بعد إقامة الدليل * ( وإن كثيراً ) * وقبله * ( ولكن أكثرهم ) * ثم بعد الدليل الذي لا يمكن الذهول عنه ، والدليل الذي لا يقع الذهول عنه وإن أمكن هو السماوات والأرض لأن من البعيد أن يذهل الإنسان عن السماء التي فوقه والأرض التي تحته ، ذكر ما يقع الذهول عنه وهو أمر أمثالهم وحكاية أشكالهم .