فخر الدين الرازي

97

تفسير الرازي

* ( بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الاَْخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ) * . ثم قال تعالى ( بنصر الله ينصر من يشاء ( وهو العزيز الرحيم ، وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون ، يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ) . قوله تعالى : * ( بنصر الله ينصر من يشاء ) * قدم المصدر على الفعل حيث قال : * ( بنصر الله ينصر ) * ( الأنفال : 62 ) وقدم الفعل على المصدر في قوله : * ( وأيدك بنصره ) * وذلك لأن المقصود ههنا بيان أن النصرة بيد الله إن أراد نصر وإن لم يرد لا ينصر ، وليس المقصود النصرة ووقوعها والمقصود هناك إظهار النعمة عليه بأنه نصره ، فالمقصود هناك الفعل ووقوعه فقدم هناك الفعل ، ثم بين أن ذلك الفعل مصدره عند الله ، والمقصود ههنا كون المصدر عند الله إن أراد فعل فقدم المصدر . ثم قال تعالى : * ( وهو العزيز الرحيم ) * ذكر من أسمائه هذين الإسمين لأنه إن لم ينصر المحب بل سلط العدو عليه فذلك لعزته وعدم افتقاره ، وإن نصر المحب فذلك لرحمته عليه ، أو نقول إن نصر الله المحب فلعزته واستغنائه عن العدو ورحمته على المحب ، وإن لم ينصر المحب فلعزته واستغنائه عن المحب ورحمته في الآخرة واصلة إليه . ثم قال تعالى : * ( وعد الله لا يخلف الله وعده ) * يعني سيغلبون وعدهم الله وعداً ووعد الله لا خلف فيه ، قوله تعالى : * ( ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) * أي لا يعلمون وعده وأنه لا خلف في وعده . ثم قال تعالى : * ( يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا ) * يعني علمهم منحصر في الدنيا وأيضاً لا يعلمون الدنيا كما هي وإنما يعلمون ظاهرها وهي ملاذها وملاعبها ، ولا يعلمون باطنها وهي مضارها ومتاعبها ويعلمون وجودها الظاهر ، ولا يعلمون فناءها * ( وهم عن الآخرة هم غافلون ) * والمعنى هم عن الآخرة غافلون ، وذكرت هم الثانية لتفيد أن الغفلة منهم وإلا فأسباب التذكر حاصلة وهذا كما يقول القائل لغيره غفلت عن أمري ، فإذا قال هو شغلني فلان فيقول ما شغلك ولكن أنت اشتغلت . قوله تعالى : * ( أولم يتفكروا في أنفسهم ) * ( ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق