فخر الدين الرازي
94
تفسير الرازي
بالإلهية ، ولم يقبلوا ذا حسب منعوت بالرسالة ، والآية تحتمل وجهاً آخر وهو أن الله تعالى لما بين التوحيد والرسالة والحشر وقرره ووعظ وزجر قال لنبيه ليقول للناس : * ( ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً ) * أي إني جئت بالرسالة وقلت إنها من الله وهذا كلام الله ، وأنتم كذبتموني فالحال دائر بين أمرين ، أما أنا مفتر متنبئ إن كان هذا من عند غير الله أو أنتم مكذبون بالحق إن كان من عنده لكني معترف بالعذاب الدائم عارف به فلا أقدم على الافتراء لأن * ( جهنم مثوى للكافرين ) * ( الزمر : 32 ) والمتنبئ كافر ، وأنتم كذبتموني فجهنم مثواكم إذ هي مثوى للكافرين ، وهذا حيئنذٍ يكون كقوله تعالى : * ( وإنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ) * ( سبأ : 24 ) . ثم قال تعالى * ( واَلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) * . لما فرغ من التقرير والتقريع ولم يؤمن الكفار سلى قلوب المؤمنين بقوله : * ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ) * أي من جاهد بالطاعة هداه سبل الجنة * ( وإن الله لمع المحسنين ) * إشارة إلى ما قال : * ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) * فقوله : * ( لنهدينهم ) * إشارة إلى الحسنى وقوله : * ( وإن الله لمع المحسنين ) * إشارة إلى المعية والقربة التي تكون للمحسن زيادة على حسناته ، وفيه وجه آخر حكمي وهو أن يكون المعنى * ( والذين جاهدوا فينا ) * أي الذين نظروا في دلائلنا * ( لنهدينهم سبلنا ) * أي لنحصل فيهم العلم بنا . ولنبين هذا فضل بيان ، فنقول أصحابنا المتكلمون قالوا إن النظر كالشرط للعلم الاستدلالي والله يخلق في الناظر علماً عقيب نظره ووافقهم الفلاسفة على ذلك في المعنى وقالوا النظر معد للنفس لقبول الصورة المعقولة ، وإذا استعدت النفس حصل لها العلم من فيض واهب الصور الجسمانية والعقلية ، وعلى هذا يكون الترتيب حسنا ً ، وذلك لأن الله تعالى لما ذكر الدلائل ولم تفدهم العلم والإيمان قال : إنهم لم ينظروا فلم يهتدوا وإنما هو هدى للمتقين الذين يتقون التعصب والعناد فينظرون فيهديهم وقوله : * ( وإن الله لمع المحسنين ) * إشارة إلى درجة أعلى من الاستدلال كأنه تعالى قال من الناس من يكون بعيداً لا يتقرب وهم الكفار ، ومنهم من يتقرب بالنظر والسلوك فيهديهم ويقربهم ومنهم من يكون الله معه ويكون قريباً منه يعلم الأشياء منه ولا يعلمه من الأشياء ، ومن يكون مع الشيء كيف يطلبه فقوله : * ( ومن أظلم ) * إشارة إلى الأول وقوله : * ( والذين جاهدوا فينا ) * إشارة إلى الثاني وقوله : * ( وإن الله لمع المحسنين ) * إشارة إلى الثالث . والله أعلم بأسرار كتابه ، والحمد لله رب العالمين وصلاته على سيدنا محمد النبي وآله وصحبه أجمعين .