فخر الدين الرازي
88
تفسير الرازي
وبعلمه كالطبيب والفقيه ، وبقوة جسمه كالعتال والحمال ، والحيوان لا مكاسب له ، فالرغيف الذي يحتاج إليه الإنسان غداً أو بعد غد ، بعيد أن لا يرزقه الله مع هذه المكاسب ، فهو أولى بالتوكل . وأيضاً الله تعالى خلق الإنسان بحيث يأتيه الرزق وأسبابه ، فإن الله ملك الإنسان عمائر الدنيا وجعلها بحيث تدخل في ملكه شاء أم أبى ، حتى أن نتاج الأنعام وثمار الأشجار تدخل في الملك وإن لم يرده مالك النعم والشجر ، وإذا مات قرن ينتقل ذلك إلى قرن آخر قهراً شاؤوا أم أبوا ، وليس كذلك حال الحيوان أصلاً ، فإن الحيوان إن لم يأت الرزق لا يأتيه رزقه ، فإذن الإنسان لو توكل كان أقرب إلى العقل من توكل الحيوان ، ثم قال : * ( وهو السميع العليم ) * سميع إذا طلبتم الرزق ، يسمع ويجيب ، عليم إن سكتم ، لا تخفى عليه حاجتكم ومقدار حاجتكم . ثم قال تعالى * ( وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ) * . نقول لما بين الله الأمر للمشرك مخاطباً معه ولم ينتفع به وأعرض عنه وخاطب المؤمن بقوله : * ( يا عبادي الذي آمنوا ) * ( العنكبوت : 56 ) وأتم الكلام معه ذكر معه ما يكون إرشاداً للمشرك بحيث يسمعه وهذا طريق في غاية الحسن ، فإن السيد إذا كان له عبدان ، أو الوالد إذا كان له ولدان وأحدهما رشيد والآخر مفسد ، ينصح أولاً المفسد ، فإن لم يسمع يقول معرضاً عنه ، ملتفتاً إلى الرشيد ، إن هذا لا يستحق الخطاب فاسمع أنت ولا تكن مثل هذا المفسد ، فيتضمن هذا الكلام نصيحة المصلح وزجر المفسد ، فإن قوله هذا لا يستحق الخطاب يوجب نكاية في قلبه ، ثم إذا ذكر مع المصلح في أثناء الكلام والمفسد يسمعه ، إن هذا أخاك العجيب منه أنه يعلم قبح فعله ويعرف الفساد من الصلاح وسبيل الرشاد والفلاح ويشتغل بضده ، يكون هذا الكلام أيضاً داعياً له إلى سبيل الرشاد مانعاً له من ذلك الفساد ، فكذلك الله تعالى قال مع المؤمن العجيب منهم أنهم إن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ثم لا يؤمنون ، وفي الآية لطائف إحداها : ذكر في السماوات والأرض الخلق ، وفي الشمس والقمر التسخير ، وذلك لأن مجرد خلق الشمس والقمر ليس حكمة ، فإن الشمس لو كانت مخلوقة بحيث تكون في موضع واحد لا تتحرك ما حصل الليل والنهار ولا الصيف ولا الشتاء ، فإذاً الحكمة في تحريكهما وتسخيرهما الثانية : في لفظ التسخير ، وذلك لأن التحريك يدل على مجرد الحركة وليس مجرد الحركة كافياً ، لأنها لو كانت تتحرك مثل حركتنا لما كانت تقطع الفلك بألوف من السنين ، فالحكمة في تسخيرهما تحركهما في قدر ما يتنفس الإنسان