فخر الدين الرازي
39
تفسير الرازي
المسألة الخامسة : لو قال قائل هذا يقتضي منع المؤمن من إظهار كلمة الكفر بالإكراه ، لأن من أظهر كلمة الكفر بالإكراه احترازاً عن التعذيب العاجل يكون قد جعل فتنة الناس كعذاب الله ، فنقول ليس كذلك ، لأن من أكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان لم يجعل فتنة الناس كعذاب الله ، لأن عذاب الله يوجب ترك ما يعذب عليه ظاهراً وباطناً ، وهذا المؤمن المكره لم يجعل فتنة الناس كعذاب الله ، بحيث يترك ما يعذب عليه ظاهراً وباطناً ، بل في باطنه الإيمان ، ثم قال تعالى : * ( ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم ) * ( العنكبوت : 10 ) يعني دأب المنافق أنه إن رأى اليد للكافر أظهر ما أضمر وأظهر المعية وادعى التبعية ، وفيه فوائد نذكرها في مسائل : المسألة الأولى : قال : * ( ولئن جاء نصر من ربك ) * ولم يقل من الله ، مع أن ما تقدم كان كله بذكر الله كقوله : * ( أوذي في الله ) * وقوله : * ( كعذاب الله ) * وذلك لأن الرب اسم مدلوله الخاص به الشفقة والرحمة ، والله اسم مدلوله الهيبة والعظمة ، فعند النصر ذكر اللفظ الدال على الرحمة والعاطفة ، وعند العذاب ذكر اللفظ الدال على العظمة . المسألة الثانية : لم يقل ولئن جاءكم أو جاءك بل قال : * ( ولئن جاء نصر من ربك ) * والنصر لو جاءهم ما كانوا يقولون : * ( إنا كنا معكم ) * وهذا يقتضي أن يكونوا قائلين : إنا معكم إذا جاء نصر سواء جاءهم أو جاء المؤمنين ، فنقول هذا الكلام يقتضي أن يكونوا قائلين إنا معكم إذا جاء النصر ، لكن النصر لا يجئ إلا للمؤمن ، كما قال تعالى : * ( وكان حقاً علينا نصر المؤمنين ) * ( الروم : 47 ) ولأن غلبة الكافر على المسلم ليس بنصر ، لأن النصر ما يكون عاقبته سليمة بدليل أن أحد الجيشين إن انهزم في الحال ثم كر المنهزم كرة أخرى وهزموا الغالبين ، لا يطلق اسم المنصور إلا على من كان له العاقبة ، فكذلك المسلم وإن كسر في الحال فالعاقبة للمتقين ، فالنصر لهم في الحقيقة . المسألة الثالثة : في ليقولن قراءتان إحداهما : الفتح حملاً على قوله : * ( من يقول آمنا ) * يعني من يقول آمنا إذا أوذي يترك ذلك القول ، وإذا جاء النصر يقول إنا كنا معكم وثانيتهما : الضم على الجمع إسناداً للقول إلى الجميع الذين دل عليهم المفهوم فإن المنافقين كانوا جماعة ، ثم بين الله تعالى أنهم أرادوا التلبيس ولا يصح ذلك لهم لأن التلبيس إنما يكون عندما يخالف القول القلب ، فالسامع يبني الأمر على قوله ولا يدري ما في قلبه فيلتبس الأمر عليه وأما الله تعالى فهو عليم بذات الصدور ، وهو أعلم بما في صدر الإنسان من الإنسان فلا يلتبس عليه الأمر ، وهذا إشارة إلى أن الاعتبار بما في القلب ، فالمنافق الذي يظهر الإيمان ويضمر الكفر كافر ، والمؤمن المكره الذي يظهر الكفر ويضمر الإيمان مؤمن والله أعلم بما في صدور العالمين ، ولما بين أنه أعلم بما في قلوب العالمين ، بين أنه يعلم المؤمن المحق وإن لم يتكلم ، والمنافق وإن تكلم فقال : * ( وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين ) * وقد سبق تفسيره ، لكن فيه مسألة واحدة وهي أن الله قال هناك : * ( فليعلمن الله الذين صدقوا ) * وقال ههنا : * ( وليعلمن الله الذي آمنوا ) * فنقول لما كان الذكر هناك للمؤمن