فخر الدين الرازي
253
تفسير الرازي
وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سلطانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا في شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفُيظٌ " 21 " بين أسفارهم ويخرب المعمور من ديارهم ، وقوله : * ( وظلموا أنفسهم ) * يكون بياناً لذلك ، وقوله * ( فجعلناهم أحاديث ) * أي فعلنا بهم ما جعلناهم به مثلاً ، يقال : تفرقوا أيدي سبا ، وقوله : * ( ومزقناهم كل ممزق ) * بيان لجعلهم أحاديث ، وقوله تعالى : * ( إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ) * أي فيما ذكرناه من حال الشاكرين ووبال الكافرين . ثم قال تعالى : * ( ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقاً من المؤمنين ) * أي ظنه أنه يغويهم كما قال : * ( فبعزتك لأغوينهم ) * وقوله : * ( فاتبعوه ) * بيان لذلك أي أغواهم ، فاتبعوه * ( إلا فريقاً من المؤمنين ) * قال تعالى في حقهم : * ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ) * ويمكن أن يقال صدق عليهم ظنه في أنه خير منه كما قال تعالى عنه : * ( أنا خير منه ) * ويتحقق ذلك في قوله فاتبعوه ، لأن المتبوع خير من التابع وإلا لا يتبعه العاقل والذي يدل على أن إبليس خير من الكافر ، هو إن إبليس امتنع من عبادة غير الله لكن لما كان في امتناعه ترك عبادة الله عناداً كفر ، والمشرك يعبد غير الله فو كفر بأمر أقرب إلى التوحيد ، وهم كفروا بأمر هو الإشراك ، ويؤيد هذا الذي اخترناه الاستثناء ، وبيانه هو أنه وإن لم يظن أنه يغوي الكل ، بدليل أنه تعالى قال عنه : * ( إلا عبادك منهم المخلصين ) * فما ظن أنه يغوي المؤمنين فما ظنه صدقه ولا حاجة إلى الاستثناء ، وأما في قوله : * ( أنا خير منه ) * اعتقد الخيرية بالنسبة إلى جميع الناس بدليل تعليله بقوله : * ( خلقتني من نار وخلقته من طين ) * وقد كذب في ظنه في حق المؤمنين ، ويمكن الجواب عن هذا في الوجه الأول ، وهو أنه وإن لم يظن إغواء الكل وعلم أن البعض ناج ، لكن ظن في كل واحد أنه ليس هو ذلك الناجي ، إلى أن تبين له فظن أنه يغويه فكذب في ظنه في حق البعض وصدق في البعض . ثم قال تعالى ( وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك وربك على كل شئ حفيظ ) . قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى : * ( فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ) * أن علم الله من الأزل إلى الأبد محيط بكل معلوم وعلمه لا يتغير وهو في كونه عالماً لا يتغير ولكن يتغير تعلق علمه ، فإن العلم صفة كاشفة يظهر بها كل ما في نفس الأمر فعلم الله في الأزل أن العالم سيوجد ، فإذا وجد علمه موجوداً بذلك العلم ، وإذا عدم يعلمه معدوماً بذلك ، مثاله : أن المرآة المصقولة فيها الصفاء