فخر الدين الرازي

244

تفسير الرازي

* ( أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآَخِرَةِ في الْعَذَابِ والضّلالِ الْبَعِيدِ ) * " 8 " . أَفَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِّنَ السَّمَآءِ والاَْرْضِ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ السَّمَآءِ ثم قال تعالى : * ( أفترى على الله كذباً أم به جنة بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد ) * هذا يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون تمام قول الذين كفروا أولاً أعني هو من كلام من قال : * ( هل ندلكم ) * ويحتمل أن يكون من كلام السامع المجيب لمن قال : * ( هل ندلكم ) * كأن السامع لما سمع قول القائل : * ( هل ندلكم على رجل ) * قال له : أهو يفتري على الله كذباً ؟ إن كان يعتقد خلافه ، أم به جنة ( أي ) جنون ؟ إن كان لا يعتقد خلافه وفي هذا لطيفة : وهي أن الكافر لا يرضى بأن يظهر كذبه ، ولهذا قسم ولم يجزم بأنه مفتر ، بل قال مفتر أو مجنون ، احترازاً من أن يقول قائل كيف يقول بأنه مفتر ، مع أنه جائز أن يظن أن الحق ذلك فظن الصدق يمنع تسمية القائل مفترياً وكاذباً في بعض المواضع ، ألا ترى أن من يقول جاء زيد ، فإذا تبين أنه لم يجئ وقيل له كذبت ، يقول ما كذبت ، وإنما سمعت من فلان أنه جاء ، فظننت أنه صادق فيدفع الكذب عن نفسه بالظن ، فهم احترزوا عن تبين كذبهم ، فكل عاقل ينبغي أن يحترز عن ظهور كذبه عند الناس ، ولا يكون العاقل أدنى درجة من الكافر ، ثم إنه تعالى أجابهم مرة أخرى وقال : * ( بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب ) * في مقابلة قولهم : * ( أفترى على الله كذباً ) * وقوله : * ( والضلال البعيد في مقابلة قولهم : * ( به جنة ) * وكلاهما مناسب . أما العذاب فلأن نسبة الكذب إلى الصادق مؤذية ، لأنه شهادة عليه بأنه يستحق العذاب فجعل العذاب عليهم حيث نسبوه إلى الكذب . وأما الجنون فلأن نسبة الجنون إلى العاقل دونه في الإيذاء ، لأنه لا يشهد عليه بأنه يعذب ، ولكن ينسبه إلى عدم الهداية فبين أنهم هم الضالون ، ثم وصف ضلالهم بالبعد ، لأن من يسمي المهتدي ضالاً يكون هو الضال ، فمن يسمي الهادي ضالاً يكون أضل ، والنبي عليه الصلاة والسلام كان هادي كل مهتد . ثم قال تعالى : * ( أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفاً من السماء ) * لما ذكر الدليل بكونه عالم الغيب وكونه جازياً على السيئات والحسنات ذكر دليلاً آخر وذكر فيه تهديداً . أما الدليل فقوله : * ( من السماء والأرض ) * فإنهما يدلان على الوحدانية كما بيناه مراراً ، وكما قال تعالى : * ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ) * ( لقمان : 25 ) ويدلان على الحشر لأنهما يدلان على كمال قدرته ومنها الإعادة ، وقد ذكرناه مراراً ، وقال تعالى : * ( أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم