فخر الدين الرازي
241
تفسير الرازي
الأمر على خلاف الحكمة ، والذي أقوله أنا هو أن الدليل المذكور في قوله : * ( عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة ) * أظهر ، وذلك لأنه إذا كان عالماً بجميع الأشياء يعلم أجزاء الأحياء ويقدر على جمعها فالساعة ممكنة القيام ، وقد أخبر عنها الصادق فتكون واقعة ، وعلى هذا فقوله تعالى : * ( في السماوات ولا في الأرض ) * فيه لطيفة وهي أن الإنسان له جسم وروح والأجسام أجزاؤها في الأرض والأرواح في السماء فقوله : * ( لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ) * إشارة إلى علمه بالأرواح وقوله : * ( ولا في الأرض ) * إشارة إلى علمه بالأجسام ، وإذا علم الأرواح والأشباح وقدر على جمعها لا يبقى استبعاد في المعاد . وقوله : * ( ولا أصغر من ذلك ) * إشارة إلى أن ذكر مثقال الذرة ليس للتحديد بل الأصغر منه لا يعزب ، وعلى هذا فلو قال قائل فأي حاجة إلى ذكر الأكبر ، فإن من علم الأصغر من الذرة لا بد من أن يعلم الأكبر ؟ فنقول لما كان الله تعالى أراد بيان إثبات الأمور في الكتاب ، فلو اقتصر على الأصغر لتوهم متوهم أنه يثبت الصغائر ، لكونها محل النسيان ، أما الأكبر فلا ينسى فلا حاجة إلى إثباته ، فقال الإثبات في الكتاب ليس كذلك فإن الأكبر أيضاً مكتوب فيه ، ثم لما بين علمه بالصغائر والكبائر ذكر أن جمع ذلك وإثباته للجزاء فقال : * ( ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة ورزق كريم ) * ذكر فيهم أمرين الإيمان والعمل الصالح ، وذكر لهم أمرين المغفرة والرزق الكريم ، فالمغفرة جزاء الإيمان فكل مؤمن مغفور له ويدل عليه قوله تعالى : * ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) * وقوله عليه السلام فيما أخبرنا به تاج الدين عيسى بن أحمد بن الحاكم البندهي قال : أخبرني والدي عن جدي عن محيي السنة عن عبد الواحد المليجي عن أحمد بن عبد الله النعيمي عن محمد بن يوسف الفربري عن محمد بن إسماعيل البخاري " يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من إيمان " والرزق الكريم من العمل الصالح وهو مناسب فإن من عمل لسيد كريم عملاً ، فعند فراغه من العمل لا بد من أن ينعم عليه إنعاماً ويطعمه طعاماً ، ووصف الرزق بالكريم قد ذكرنا أنه بمعنى ذي كرم أو مكرم ، أو لأنه يأتي من غير طلب بخلاف رزق الدنيا ، فإنه ما لم يطلب ويتسبب فيه لا يأتي ، وفي التفسير مسائل : ( المسألة الأولى ) قوله : * ( أولئك له مغفرة ورزق كريم ) * يحتمل وجهين ( أحدهما ) : أن يكون لهم ذلك جزاء فيوصله إليهم لقوله : * ( ليجزي الذين آمنوا ) * ، وثانيهما : أن يكون ذلك لهم والله يجزيهم بشيء آخر لأن قوله : * ( أولئك لهم ) * جملة تامة اسمية ، وقوله تعالى : * ( ليجزي الذين آمنوا ) * جملة فعلية مستقلة ، وهذا أبلغ في البشارة من قول القائل . ليجزي الذين آمنوا رزقاً . ( المسألة الثانية ) : اللام في ليجزي للتعليل ، معناه الآخرة للجزاء ، فإن قال قائل : فما وجه المناسبة ؟ فنقول : الله تعالى أراد أن لا ينقطع ثوابه فجعل للمكلف داراً باقية ليكون ثوابه واصلاً إليه دائماً أبداً ، وجعل قبلها داراً فيها الآلام والأسقام وفيها الموت ليعلم المكلف مقدار ما يكون