فخر الدين الرازي
24
تفسير الرازي
ستعدم فقد احتجوا بأن قالوا : الهلاك في اللغة له معنيان أحدهما : خروج الشيء عن أن يكون منتفعاً به الثاني : الفناء والعدم لا جائز حمل اللفظ على الأول لأن هلاكها بمعنى خروجها عن حد الانتفاع محال ، لأنها وإن تفرقت أجزاؤها فإنها منتفع بها لأن النفع المطلوب كونها بحيث يمكن أن يستدل بها على وجود الصانع القديم ، وهذه المنفعة باقية سواء بقيت متفرقة أو مجتمعة ، وسواء بقيت موجودة أو صارت معدومة . وإذا تعذر حمل الهلاك على هذا الوجه وجب حمله على الفناء . أجاب من حمل الهلاك على التفرق قال : هلاك الشيء خروجه عن المنفعة التي يكون الشيء مطلوباً لأجلها ، فإذا مات الإنسان قيل هلك لأن الصفة المطلوبة منه حياته وعقله ، وإذا تمزق الثوب قيل هلك ، لأن المقصود منه صلاحيته للبس ، فإذا تفرقت أجزاء العالم خرجت السماوات والكواكب والجبال والبحار عن صفاتها التي لأجلها كانت منتفعاً بها انتفاعاً خاصاً ، فلا جرم صح إطلاق اسم الهالك عليها فأما صحة الاستدلال بها على الصانع سبحانه فهذه المنفعة ليست منفعة خاصة بالشمس من حيث هي شمس والقمر من حيث هو قمر ، فلم يلزم من بقائها أن لا يطلق عليها اسم الهالك ثم احتجوا على بقاء أجزاء العالم بقوله : * ( يوم تبدل الأرض غير الأرض ) * ( إبراهيم : 48 ) وهذا صريح بأن تلك الأجزاء باقية إلا أنها صارت متصفة بصفة أخرى فهذا ما في هذا الموضع . المسألة الثانية : احتج أهل التوحيد بهذه الآية على أن الله تعالى شيء ، قالوا لأنه استثنى من قوله : * ( كل شيء ) * استثناء يخرج ما لولاه لوجب أو لصح دخوله تحت اللفظ ، فوجب كونه شيئاً يؤكده ما ذكرناه في سورة الأنعام ، وهو قوله : * ( قل أي شيء أكبر شهادة قل الله ) * ( الأنعام : 19 ) واحتجاجهم على أنه ليس بشيء بقوله : * ( ليس كمثله شيء ) * ( الشورى : 11 ) والكاف معناه المثل فتقدير الآية ليس مثل مثله شيء ومثل مثل الله هو الله فوجب أن لا يكون الله شيئاً ، جوابه : أن الكاف صلة زائدة . المسألة الثالثة : استدلت المجسمة بهذه الآية على أن الله تعالى جسم من وجهين الأول : قالوا الآية صريحة في إثبات الوجه وذلك يقتضي الجسمية والثاني : قوله : * ( وإليه ترجعون ) * وكلمة إلى لانتهاء الغاية وذلك لا يعقل إلا في الأجسام والجواب : لو صح هذا الكلام يلزم أن يفنى جميع أعضائه وأن لا يبقى منه إلا الوجه ، وقد التزم ذلك بعض المشبهة من الرافضة . وهو بيان ابن سمعان وذلك لا يقول به عاقل ، ثم من الناس من قال الوجه هو الوجود والحقيقة يقال وجه هذا الأمر كذا أي حقيقته ، ومنهم من قال الوجه صلة ، والمراد كل شيء هالك إلا هو ، وأما كلمة إلى فالمعنى وإلى موضع حكمه وقضائه ترجعون . المسألة الرابعة : استدلت المعتزلة به على أن الجنة والنار غير مخلوقتين ، قالوا لأن الآية تقتضي فناء الكل فلو كانتا مخلوقتين لفنيتا ، وهذا يناقض قوله تعالى في صفة الجنة : * ( أكلها دائم ) * ( الرعد : 35 ) والجواب : هذا معارض بقوله تعالى في صفة الجنة : * ( أعدت للمتقين ) * ( آل عمران : ت 133 ) وفي صفة النار * ( وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين ) * ( البقرة : 24 ) ثم إما أن يحمل قوله : * ( كل شيء هالك ) * على الأكثر ، كقوله : * ( وأوتيت من كل شيء ) * ( النمل : 23 ) أو يحمل قوله : * ( أكلها دائم ) * على أن زمان فنائهما لما كان قليلاً بالنسبة إلى زمان بقائهما لا جرم أطلق لفظ الدوام عليه . المسألة الخامسة : قوله : * ( كل شيء هالك ) * يدل على أن الذات ذات بالفعل ، لأنه حكم بالهلاك على الشيء فدل على أن الشيء في كونه شيئاً قابل للهلاك ، فوجب أن لا يكون المعدوم شيئاً والله أعلم . والحمد لله رب العالمين .