فخر الدين الرازي
22
تفسير الرازي
الله تعالى وعد رسوله الرد إلى معاد ، قال : * ( قل ) * للمشركين * ( ربي أعلم من جاء بالهدى ) * يعني نفسه وما يستحقه من الثواب في المعاد والإعزاز بالإعادة إلى مكة * ( ومن هو في ضلال مبين ) * يعنيهم وما يستحقون من العقاب في معادهم ، ثم قال لرسوله * ( وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك ) * ففي كلمة إلا وجهان أحدهما : أنها للاستثناء ، ثم قال صاحب " الكشاف " : هذا كلام محمول على المعنى كأنه قيل : ( وما ألقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك ) ويمكن أيضاً إجراؤه على ظاهره ، أي وما كنت ترجو إلا أن يرحمك الله برحمته فينعم عليك بذلك ، أي ما كنت ترجو إلا على هذا والوجه الثاني : أن إلا بمعنى لكن للاستدراك ، أي ولكن رحمة من ربك ألقى إليك ونظيره قوله : * ( وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك ) * ( القصص : 46 ) خصصك به ، ثم إنه كلفه بأمور أحدها : كلفه بأن لا يكون مظاهراً للكفار فقال : * ( فلا تكونن ظهيراً للكافرين ) * وثانيها : أن قال : * ( ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك ) * الميل إلى المشركين ، قال الضحاك وذلك حين دعوه إلى دين آبائه ليزوجوه ويقاسموه شطراً من مالهم ، أي لا تلتفت إلى هؤلاء ولا تركن إلى قولهم فيصدوك عن اتباع آيات الله وثالثها : قوله : * ( وادع إلى ربك ) * أي : إلى دين ربك ، وأراد التشدد في دعاء الكفار والمشركين ، فلذلك قال : * ( ولا تكونن من المشركين ) * لأن من رضي بطريقتهم أو مال إليهم كان منهم ورابعها : قوله : * ( ولا تدع مع الله إلهاً آخر ) * وهذا وإن كان واجباً على الكل إلا أنه تعالى خاطبه به خصوصاً لأجل التعظيم ، فإن قيل الرسول كان معلوماً منه أن لا يفعل شيئاً من ذلك البتة فما فائدة هذا النهي ؟ قلنا لعل الخطاب معه ولكن المراد غيره ، ويجوز أن يكون المعنى لا تعتمد على غير الله ولا تتخذ غيره وكيلاً في أمورك ، فإن من وثق بغير الله تعالى فكأنه لم يكمل طريقه في التوحيد ، ثم بين أنه لا إله إلا هو ، أي لا نافع ولا ضار ولا معطي ولا مانع إلا هو ، كقوله : * ( رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلاً ) * ( المزمل : 9 ) فلا يجوز اتخاذ إله سواء ، ثم قال : * ( كل شيء هالك إلا وجهه ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : اختلفوا في قوله : * ( كل شيء هالك ) * فمن الناس من فسر الهلاك بالعدم ، والمعنى أن الله تعالى يعدم كل شيء سواه ، ومنهم من فسر الهلاك بإخراجه عن كونه منتفعاً به ، إما بالإماتة أو بتفريق الأجزاء ، وإن كانت أجزاؤه باقية ، فإنه يقال هلك الثوب وهلك المتاع ولا يريدون به فناء أجزائه ، بل خروجه عن كونه منتفعاً به ، ومنهم من قال : معنى كونه هالكاً كونه قابلاً للهلاك في ذاته ، فإن كل ما عداه ممكن الوجود لذاته وكل ما كان ممكن الوجود كان قابلاً للعدم فكان قابلاً للهلاك ، فأطلق عليه اسم الهلاك نظراً إلى هذا الوجه . واعلم أن المتكلمين لما أرادوا إقامة الدلالة على أن كل شيء سوى الله تعالى يقبل العدم والهلاك قالوا : ثبت أن العالم محدث ، وكل ما كان محدثاً فإن حقيقته قابلة للعدم والوجود ، وكل ما كان كذلك وجب أن يبقى على هذه الحالة أبداً ، لأن الإمكان من لوازم الماهية ، ولازم الماهية