فخر الدين الرازي

208

تفسير الرازي

زيادة عقابهن * ( نؤتها أجرها مرتين ) * في مقابلة قوله تعالى : * ( يضاعف لها العذاب ضعفين ) * مع لطيفة وهي أن عند إيتاء الأجر ذكر المؤتي وهو الله ، وعند العذاب لم يصرح بالمعذب فقال : * ( يضاعف ) * إشارة إلى كمال الرحمة والكرم ، كما أن الكريم الحي عند النفع يظهر نفسه وفعله ، وعند الضر لا يذكر نفسه ، وقوله تعالى : * ( واعتدنا لها رزقاً كريماً ) * وصف رزق الآخرة بكونه كريماً ، مع أن الكريم لا يكون إلا وصفاً للرزاق إشارة إلى معنى لطيف ، وهو أن الرزق في الدنيا مقدر على أيدي الناس ، التاجر يسترزق من السوقة ، والمعاملين والصناع من المستعملين ، والملوك من الرعية والرعية منهم ، فالرزق في الدنيا لا يأتي بنفسه ، وإنما هو مسخر للغير يمسكه ويرسله إلى الأغيار . وأما في الآخرة فلا يكون له مرسل وممسك في الظاهر فهو الذي يأتي بنفسه ، فلأجل هذا لا يوصف في الدنيا بالكريم إلا الرزاق ، وفي الآخرة يوصف بالكريم نفس الرزق . قوله تعالى * ( يا نِسَآءَ النَّبِىِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَآءِ إِنِ تَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِى فِى قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ) * . ثم قال تعالى : * ( يا نساء النبي لستن كأحد من النساء ) * لما ذكر أن عذابهن ضعف عذاب غيرهن وأجرهن مثلاً أجر غيرهن صرن كالحرائر بالنسبة إلى الإماء ، فقال : * ( لستن كأحد ) * ومعنى قول القائل ليس فلان كآحاد الناس ، يعني ليس فيه مجرد كونه إنساناً ، بل وصف أخص موجود فيه ، وهو كونه عالماً أو عاملاً أو نسيباً أو حسيباً ، فإن الوصف الأخص إذا وجد لا يبقى التعريف بالأعم ، فإن من عرف رجلاً ولم يعرف منه غير كونه رجلاً يقول رأيت رجلاً فإن عرف علمه يقول رأيت زيداً أو عمراً ، فكذلك قوله تعالى : * ( لستن كأحد من النساء ) * يعني فيكن غير ذلك أمر لا يوجد في غيركن وهو كونكن أمهات جميع المؤمنين وزوجات خير المرسلين ، وكما أن محمداً عليه السلام ليس كأحد من الرجال ، كما قال عليه السلام : " لست كأحدكم " كذلك قرائبه اللاتي يشرفن به وبين الزوجين نوع من الكفاءة . ثم قوله تعالى : * ( إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول ) * يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون متعلقاً بما قبله على معنى لستن كأحد إن اتقيتن فإن الأكرم عند الله هو الأتقى وثانيهما : أن يكون متعلقاً بما بعده على معنى إن اتقيتن فلا تخضعن والله تعالى لما منعهن من الفاحشة وهي الفعل القبيح منعهن من مقدماتها وهي المحادثة مع الرجال والانقياد في الكلام للفاسق . ثم قوله تعالى : * ( فيطمع الذي في قلبه مرض ) * أي فسق وقوله تعالى : * ( وقلن قولاً معروفاً ) * أي ذكر الله ، وما تحتجن إليه