فخر الدين الرازي
183
تفسير الرازي
له استرداده بحكم قوله وكذلك في قوله : * ( لهم جنات ) * ألا ترى أنه تعالى لما أسكن آدم الجنة وكان في علمه أنه يخرجه منها قال : * ( أسكن أنت وزوجك الجنة ) * ( البقرة : 35 ) ولم يقل لكما الجنة وفي الآخرة لما لم يكن للمؤمنين خروج عنها قال : * ( لكم الجنة ) * و * ( لهم جنات ) * وقوله : * ( كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا ) * إشارة إلى معنى حكمي ، وهو أن المؤلم إذا تمكن والألم إذا امتد لم يبق به شعور تام ولهذا قال الأطباء إن حرارة حمى الدق بالنسبة إلى حرارة الحمى البلغمية نسبة النار إلى الماء المسخن ، ثم إن المدقوق لا يحس من الحرارة بما يحس به من به الحمى البلغمية لتمكن الدق وقرب العهد بظهور حرارة الحمى البلغمية ، وكذلك الإنسان إذا وضع يده في ماء بارد يتألم من البرد ، فإذا صبر زماناً طويلاً تثلج يده ويبطل عنه ذلك الألم الشديد مع فساد مزاجه ، إذا علمت هذا فقوله : * ( كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها ) * إشارة إلى أن الإله لا يسكن عنهم بل يرد عليهم في كل حال أمر مؤلم يجدد وقوله : * ( ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون ) * يقرر ما ذكرنا ومعناه أنهم في الدنيا كانوا يكذبون بعذاب النار ، فلما ذاقوه كان أشد إيلاماً لأن من لا يتوقع شيئاً فيصيبه يكون أشد تأثيراً ، ثم إنهم في الآخرة كما في الدنيا يجزمون أن لا عذاب إلا وقد وصل إليهم ولا يتوقعون شيئاً آخر من العذاب فيرد عليهم عذاب أشد من الأول ، وكانوا يكذبون به بقولهم لا عذاب فوق ما نحن فيه فاذن معنى قوله تعالى : * ( ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون ) * ليس مقتصراً على تكذيبهم الذي كان في الدنيا بل * ( كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها ) * وقيل لهم ذوقوا عذاباً كذبتم به من قبل ، أما في الدنيا بقولكم لا عذاب في الآخرة ، وأما في الآخرة فبقولكم لا عذاب فوق ما نحن فيه . ثم قال تعالى * ( وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ الْعَذَابِ الاَْدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الاَْكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) * . يعني قبل عذاب الآخرة نذيقهم عذاب الدنيا فإن عذاب الدنيا لا نسبة له إلى عذاب الآخرة لأن عذاب الدنيا لا يكون شديداً ، ولا يكون مديداً فإن العذاب الشديد في الدنيا يهلك فيموت المعذب ويستريح منه فلا يمتد ، وإن أراد المعذب أن يمتد عذاب المعذب لا يعذبه بعذاب في غاية الشدة ، وأما عذاب الآخرة فشديد ومديد ، وفي الآية مسألتان : إحداهما : قوله تعالى : * ( ولنذيقنهم من العذاب الأدنى ) * في مقابلته العذاب الأقصى والعذاب الأكبر في مقابلته العذاب الأصغر ، فما الحكمة في مقابلة الأدنى بالأكبر ؟ فنقول حصل في عذاب الدنيا أمران : أحدهما : أنه قريب والآخر أنه قليل صغير وحصل في عذاب الآخرة أيضاً أمران أحدهما : أنه بعيد والآخر أنه عظيم كثير ، لكن القرب في عذاب الدنيا هو الذي يصلح