فخر الدين الرازي
176
تفسير الرازي
المسألة الأولى : الواو للعطف على ما سبق منهم فإنهم قالوا محمد ليس برسول والله ليس بواحد وقالوا الحشر ليس بممكن . المسألة الثانية : أنه تعالى قال في تكذيبهم الرسول في الرسالة أم يقولون بلفظ المستقبل وقال في تكذيبهم إياه في الحشر ، وقالوا بلفظ الماضي ، وذلك لأن تكذيبهم إياه في رسالته لم يكن قبل وجوده وإنما كان ذلك حالة وجوده فقال يقولون يعني هم فيه ، وأما إنكارهم للحشر كان سابقاً صادراً منهم ومن آبائهم فقال وقالوا . المسألة الثالثة : أنه تعالى صرح بذكر قولهم في الرسالة حيث قال : * ( أم يقولون ) * وفي الحشر حيث قال : * ( وقال أئذا ) * ولم يصرح بذكر قولهم في الوحدانية ، وذلك لأنهم كانوا مصرين في جميع الأحوال على إنكار الحشر والرسول ، وأما الوحدانية فكانوا يعترفون بها في المعنى ، ألا ترى أن الله تعالى قال : * ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ) * ( لقمان : 25 ) فلم يقل قالوا إن الله ليس بواحد وإن كانوا قالوه في الظاهر . المسألة الرابعة : لو قال قائل لما ذكر الرسالة ذكر من قبل دليلها وهو التنزيل الذي لا ريب فيه ولما ذكر الوحدانية ذكر دليلها وهو خلق السماوات والأرض وخلق الإنسان من طين ، ولما ذكر إنكارهم الحشر لم يذكر الدليل ، نقول في الجواب : ذكر دليله أيضاً وذلك لأن خلق الإنسان ابتداء دليل على قدرته على إعادته ، ولهذا استدل الله على إمكان الحشر بالخلق الأول كما قال : * ( ثم يعيده وهو أهون عليه ) * ( الروم : 27 ) وقوله : * ( قل يحييها الذي أنشأها أول مرة ) * ( يس : 79 ) وكذلك خلق السماوات كما قال تعالى : * ( أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم * بلى ) * ( يس : 81 ، 82 ) . وقوله تعالى : * ( أئنا لفي خلق جديد ) * أي أئنا كائنون في خلق جديد أو واقعون فيه * ( بل هم بلقاء ربهم كافرون ) * إضراب عن الأول يعني ليس إنكارهم لمجرد الخلق ثانياً بل يكفرون بجميع أحوال الآخرة حتى لو صدقوا بالخلق الثاني لما اعترفوا بالعذاب والثواب ، أو نقول معناه لم ينكروا البعث لنفسه بل لكفرهم ، فإنهم أنكروه فأنكروا المفضى إليه ، ثم بين ما يكون لهم من الموت إلى العذاب . ثم قال تعالى * ( قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِى وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ) * . يعني لا بد من الموت ثم من الحياة بعده وإليه الإشارة بقوله : * ( ثم إلى ربكم ترجعون ) * وقوله : * ( الذي وكل بكم ) * إشارة إلى أنه لا يغفل عنكم وإذا جاء أجلكم لا يؤخركم إذ لا شغل له إلا هذا وقوله : * ( يتوفاكم ملك الموت ) * ينبئ عن بقاء الأرواح فإن التوفي الاستيفاء والقبض هو الأخذ والإعدام المحض ليس بأخذ ، ثم إن الروح الزكي الطاهر يبقى عند الملائكة مثل الشخص بين أهله