فخر الدين الرازي
162
تفسير الرازي
صبار شكور ) * صبار في الشدة شكور في الرخاء ، وذلك لأن المؤمن متذكر عند الشدة والبلاء عند النعم والآلاء فيصبر إذا أصابته نقمة ويشكر إذا أتته نعمة وورد في كلام النبي صلى الله عليه وسلم " الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر " إشارة إلى أن التكاليف أفعال وتروك والتروك صبر عن المألوف كما قال عليه الصلاة والسلام " الصوم صبر والأفعال شكر على المعروف " . ثم قال تعالى * ( وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِايَاتِنَآ إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ) * . لما ذكر الله أن في ذلك لآيات ذكر أن الكل معترفون به غير أن البصير يدركه أولا ومن في بصره ضعف لا يدركه أولا ، فإذا غشيه موج ووقع في شدة اعترف بأن الكل من الله ودعاه مخلصاً أي يترك كل من عداه وينسى جميع من سواه ، فإذا نجاه من تلك الشدة قد بقي على تلك الحالة وهو المراد بقوله : * ( فمنهم مقتصد ) * وقد يعود إلى الشرك وهو المراد بقوله : * ( وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور ) * وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قوله : * ( موج كالظلل ) * وحد الموج وجمع الظلل ، وقيل في معناه كالجبال ، وقيل كالسحاب إشارة إلى عظم الموج ، ويمكن أن يقال الموج الواحد العظيم يرى فيه طلوع ونزول وإذا نظرت في الجرية الواحدة من النهر العظيم تبين لك ذلك فيكون ذلك كالجبال المتلاصقة . المسألة الثانية : قال في العنكبوت * ( فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله ) * ( العنكبوت : 65 ) ثم قال : * ( فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون ) * ( العنكبوت : 65 ) وقال ههنا * ( فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد ) * فنقول لما ذكر ههنا أمراً عظيماً وهو الموج الذي كالجبال بقي أثر ذلك في قلوبهم فخرج منهم مقتصد أي في الكفر وهو الذي انزجر بعض الانزجار ، أو مقتصد في الإخلاص فبقي معه شيء منه ولم يبق على ما كان عليه من الإخلاص ، وهناك لم يذكر مع ركوب البحر معاينة مثل ذلك الأمر فذكر إشراكهم حيث لم يبق عنده أثر . المسألة الثالثة : قوله : * ( وما يجحد بآياتنا ) * في مقابلة قوله تعالى : * ( إن في ذلك لآيات ) * يعني يعترف بها الصبار الشكور ، ويجحدها الختار الكفور والصبار في موازنة الختار لفظاً ، ومعنى والكفور في موازنة الشكور ، أما لفظاً فظاهر ، وأما معنى فلأن الختار هو الغدار الكثير الغدر أو الشديد الغدر ، والغدر لا يكون إلا من قلة الصبر ، لأن الصبور إن لم يكن يعهد مع أحد لا يعهد منه الأضرار ، فإنه يصبر ويفوض الأمر إلى الله وأما الغدار فيعهد ولا يصبر على