فخر الدين الرازي
152
تفسير الرازي
معرفة ذلك غير مختصة بالنبوة بل ذلك موافق للحكمة ، وما جاء به النبي عليه السلام من التوحيد والصلاة ومكارم الأخلاق كلها حكمة بالغة ، ولو كان تعبداً محضاً للزم قبوله ، فضلاً عن أنه على وفق الحكمة ، استدل على الوحدانية بالنعمة لأنا بينا مراراً أن الملك يخدم لعظمته ، وإن لم ينعم ويخدم لنعمته أيضاً ، فلما بين أنه المعبود لعظمته بخلقه السماوات بلا عمد وإلقائه في الأرض الرواسي . وذكر بعض النعم بقوله : * ( وأنزلنا من السماء ماء ) * ( المؤمنون : 18 ) ذكر بعده عامة النعم فقال : * ( سخر لكم ما في السماوات ) * أي سخر لأجلكم ما في السماوات ، فإن الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمر الله وفيها فوائد لعباده ، وسخر ما في الأرض لأجل عباده ، وقوله : * ( وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة ) * وهي ما في الأعضاء من السلامة * ( وباطنة ) * وهي ما في القوى فإن العضو ظاهر وفيه قوة باطنة ، ألا ترى أن العين والأذن شحم وغضروف ظاهر ، واللسان والأنف لحم وعظم ظاهر ، وفي كل واحد معنى باطن من الأبصار والسمع والذوق والشم ، وكذلك كل عضو ، وقد تبطل القوة ويبقى العضو قائماً ، وهذا أحسن مما قيل فإن على هذا الوجه يكون الاستدلال بنعمة الآفاق وبنعمة الأنفس فقوله : * ( ما في السماوات وما في الأرض ) * يكون إشارة إلى النعم الآفاقية ، وقوله : * ( وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ) * يكون إشارة إلى النعم الأنفسية ، وفيهما أقوال كثيرة مذكورة في جميع كتب التفاسير ، ولا يبعد أن يكون ما ذكرناه مقولاً منقولاً ، وإن لم يكن فلا يخرج من أن يكون سائغاً معقولاً . ثم قال تعالى : * ( ومن الناس من يجادل في الله ) * يعني لما ثبت الوحدانية بالخلق والإنعام فمن الناس من يجادل في الله ويثبت غيره ، إما إلهاً أو منعماً * ( بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ) * هذه أمور ثلاثة مرتبة العلم والهدى والكتاب ، والعلم أعلى من الهدى والهدى من الكتاب ، وبيانه هو أن العلم تدخل فيه الأشياء الواضحة اللائحة التي تعلم من غير هداية هاد ، ثم الهدى يدخل فيه الذي يكون في كتاب والذي يكون من إلهام ووحي ، فقال تعالى : * ( يجادل ) * ذلك المجادل لا من علم واضح ، ولا من هدى أتاه من هاد ، ولا من كتاب وكأن الأول إشارة إلى من أوتي من لدنه علماً كما قال تعالى : * ( وعلمك ما لم تكن تعلم ) * ( النساء : 113 ) والثاني : إشارة إلى مرتبة من هدى إلى صراط مستقيم بواسطة كما قال تعالى : * ( علمه شديد القوى ) * ( النجم : 5 ) والثالث : إشارة إلى مرتبة من اهتدى بواسطتين ولهذا قال تعالى : * ( ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ) * ( البقرة : 2 ) وقال في هذه السورة : * ( هدى ورحمة للمحسنين ) * ( لقمان : 3 ) وقال في السجدة : * ( وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ) * ( الإسراء : 2 ) فالكتاب هدى لقوم النبي عليه السلام ، والنبي هداه من الله تعالى من غير واسطة أو بواسطة الروح الأمين ، فقال تعالى : يجادل من يجادل لا بعلم آتيناه من لدنا كشفاً ، ولا بهدى أرسلناه إليه وحياً ، ولا بكتاب يتلى عليه وعظاً . ثم فيه لطيفة أخرى وهو أنه تعالى قال في الكتاب : * ( ولا كتاب منير ) * لأن المجادل منه من كان يجادل من كتاب ولكنه محرف مثل التوراة بعد التحريف ، فلو قال