فخر الدين الرازي
144
تفسير الرازي
بكراً قال قولاً حسناً يستطاب لما قد تكرر القول مراراً . وأما الحكمة فمن وجهين أحدهما : أن خلق الأرض ثقيل ، والسماء في غير مكان قد يقع لجاهل أنه بالطبع ، وبث الدواب يقع لبعضهم أنه باختيار الدابة ، لأن لها اختيار ، فنقول الأول طبيعي والآخر اختياري للحيوان ، ولكن لا يشك أحد في أن الماء في الهواء من جهة فوق ليس طبعاً فإن الماء لا يكون بطبعه فوق ولا اختياراً ، إذ الماء لا اختيار له فهو بإرادة الله تعالى ، فقال : * ( وأنزلنا من السماء ) * الثاني : هو أن إنزال الماء نعمة ظاهرة متكررة في كل زمان ، متكثرة في كل مكان ، فأسنده إلى نفسه صريحاً ليتنبه الإنسان لشكر نعمته فيزيد له من رحمته ، وقوله تعالى : * ( فأنبتنا فيها من كل زوج ) * أي من كل جنس ، وكل جنس فتحته زوجان ، لأن النبات إما أن يكون شجراً ، وإما أن يكون غير شجر ، والذي هو الشجر إما أن يكون مثمراً ، وإما أن يكون غير مثمر ، والمثمر كذلك ينقسم قسمين ، وقوله تعالى : * ( كريم ) * أي ذي كرم ، لأنه يأتي كثيراً من غير حساب أو مكرم مثل بغض للمبغض . * ( هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِى مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِى ضَلَالٍ مُّبِينٍ ) * . قوله تعالى : * ( هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه ) * يعني الله خالق وغيره ليس بخالق فكيف تتركون عبادة الخالق وتشتغلون بعبادة المخلوق . ثم قال تعالى : * ( بل الظالمون في ضلال مبين ) * أي بين أو مبين للعاقل أنه ضلال ، وهذا لأن ترك الطريق والحيد عنه ضلال ، ثم إن كان الحيد يمنة أو يسرة فهو لا يبعد عن الطريق المستقيم مثل ما يكون المقصد إلى وراء فإنه يكون غاية الضلال ، فالمقصد هو الله تعالى ، فمن يطلبه ويلتفت إلى غيره من الدنيا وغيرها فهو ضال ، لكن من وجهه إلى الله قد يصل إلى المقصود ولكن بعد تعب وطول مدة ، ومن يطلبه ولا يلتفت إلى ما سواه يكون كالذي على الطريق المستقيم يصل عن قريب من غير تعب . وأما الذي تولى لا يصل إلى المقصود أصلاً ، وإن دام في السفر ، والمراد بالظالمين المشركون الواضعون لعبادتهم في غير موضعها أو الواضعون أنفسم في عبادة غير الله . قوله تعالى * ( وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ شْكُرْ اللَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىٌّ حَمِيدٌ ) * . قوله تعالى : * ( ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ) * لما بين الله فساد اعتقادهم بسبب عنادهم