فخر الدين الرازي

14

تفسير الرازي

بني إسرائيل فظلمهم الثالث : قال القفال : بغى عليهم ، أي طلب الفضل عليهم وأن يكونوا تحت يده الرابع : قال الضحاك : طغى عليهم واستطال عليهم فلم يوفقهم في أمر الخامس : قال ابن عباس : تجبر وتكبر عليهم وسخط عليهم السادس : قال شهر بن حوشب : بغيه عليهم أنه زاد عليهم في الثياب شبراً ، وهذا يعود إلى التكبر السابع : قال الكلبي : بغيه عليهم أنه حسد هارون على الحبورة ، يروى أن موسى عليه السلام لما قطع البحر وأغرق الله تعالى فرعون جعل الحبورة لهارون ، فحصلت له النبوة والحبورة وكان صاحب القربان والمذبح ، وكان لموسى الرسالة ، فوجد قارون من ذلك في نفسه ، فقال يا موسى لك الرسالة ، ولهرون الحبورة ، ولست في شيء ولا أصبر أنا على هذا ، فقال موسى عليه السلام : والله ما صنعت ذلك لهارون ولكن الله جعله له ، فقال والله لا أصدقك أبداً حتى تأتيني بآية أعرف بها أن الله جعل ذلك لهارون ، قال فأمر موسى عليه السلام رؤساء بني إسرائيل أن يجئ كل رجل منهم بعصاه ، فجاءوا بها ، فألقاها موسى عليه السلام في قبة له ، وكان ذلك بأمر الله تعالى ، فدعا ربه أن يريهم بيان ذلك ، فباتوا يحرسون عصيهم فأصبحت عصا هارون تهتز لها ورق أخضر وكانت من شجر اللوز ، فقال موسى : يا قارون أما ترى ما صنع الله لهارون ! فقال والله ما هذا بأعجب مما تصنع من السحر ، فاعتزل قارون ومعه ناس كثير ، وولى هارون الحبورة والمذبح والقربان ، فكان بنو إسرائيل يأتون بهداياهم إلى هارون فيضعها في المذبح وتنزل النار من السماء فتأكلها ، واعتزل قارون بأتباعه وكان كثير المال والتبع من بني إسرائيل ، فما كان يأتي موسى عليه السلام ولا يجالسه ، وروى أبو أمامة الباهلي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " كان قارون من السبعين المختارة الذين سمعوا كلام الله تعالى " . أما قوله : * ( وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولى القوة ) * ففيه أبحاث : الأول : قال الكعبي : ألستم تقولون إن الله لا يعطي الحرام فكيف أضاف الله مال قارون إلى نفسه بقوله : * ( وآتيناه ) * وأجاب بأنه لا حجة في أنه كان حراماً ، ويجوز أن من تقدمه من الملوك جمعوا وكنزوا فظفر قارون بذلك ، وكان هذا الظفر طريق التملك ، أو وصل إليه بالإرث من جهات ، ثم بالتكسب من جهة المضاربات وغيرها وكان الكل محتملاً . البحث الثاني : المفاتح جمع مفتح بكسر الميم وهو ما يفتح به ، وقيل هي الخزائن وقياس واحدها مفتح بفتح الميم ، ويقال ناء به الحمل إذا أثقله حتى أماله ، والعصبة الجماعة الكثيرة والعصابة مثلها ، فالعشرة عصبة بدليل قوله تعالى في إخوة يوسف عليه السلام : * ( ونحن عصبة ) * ( يوسف : 8 ) وكانوا عشرة لأن يوسف وأخاه لم يكونا معهم . إذا عرفت معنى الألفاظ فنقول : ههنا قولان أحدهما : أن المراد بالمفاتح المفاتيح وهي التي يفتح بها الباب ، قالوا كانت مفاتيحه من جلود الإبل وكل مفتاح مثل إصبع ، وكان لكل خزانة مفتاح ، وكان إذا ركب قارون حملت المفاتيح على ستين بغلاً ، ومن الناس من طعن في هذا القول