فخر الدين الرازي

125

تفسير الرازي

واعتبر ذلك في العامل والمكاتب والمؤلفة والمديون ، ثم اعلم أن على مذهب أبي حنيفة رحمه الله حيث قال : المسكين من له شيء ما فنقول ، وإن كان الأمر كذلك لكن لا نزاع في أن إطلاق المسكين على من لا شيء له جائز فيكون الاطلاق هنا بذلك الوجه ، والفقير يدخل في ذلك بالطريق الأولى . المسألة الثانية : في تقدم البعض على البعض فنقول لما كان دفع حاجة القريب واجباً سواء كان في شدة ومخمصة ، أو لم يكن كان مقدماً على من لا يجب دفع حاجته من غير مال الزكاة إلا إذا كان في شدة ، ولما كان المسكين حاجته ليست مختصة بموضع كان مقدماً على من حاجته مختصة بموضع دون موضع . المسألة الثالثة : ذكر الأقارب في جميع المواضع كذا اللفظ وهو ذو القربى ، ولم يذكر المسكين بلفظ ذي المسكنة ، وذلك لأن القرابة لا تتجدد فهي شيء ثابت ، وذو كذا لا يقال إلا في الثابت ، فإن من صدر منه رأي صائب مرة أو حصل له جاه يوماً واحداً أو وجد منه فضل في وقت يقال ذو رأي وذو جاه وذو فضل ، وإذا دام ذلك له أو وجد منه ذلك كثيراً يقال له ذو الرأي وذو الفضل ، فقال * ( ذا القربى ) * إشارة إلى أن هذا حق متأكد ثابت ، وأما المسكنة فتطرأ وتزول ولهذا المعنى قال : * ( مسكيناً ذا متربة ) * ( البلد : 16 ) فإن المسكين يدوم له كونه ذا متربة ما دامت مسكنته أو يكون كذلك في أكثر الأمر . المسألة الرابعة : قال : * ( فآت ذا القربى حقه ) * ثم عطف المسكين وابن السبيل ولم يقل فآت ذا القربى والمسكين وابن السبيل حقهم ، لأن العبارة الثانية لكون صدور الكلام أولاً للتشريك والأولى لكون التشريك وارداً على الكلام ، كأنه يقول أعط ذا القربى حقه ثم يذكر المسكين وابن السبيل بالتبعية ولهذا المعنى إذا قال الملك خل فلان يدخل ، وفلاناً أيضاً يكون في التعظيم فوق ما إذا قال خل فلاناً وفلاناً يدخلان ، وإلى هذا أشار النبي عليه الصلاة والسلام بقوله : " بئس خطيب القوم أنت " حيث قال الرجل من أطاع الله ورسوله فقد اهتدى ، ومن عصاهما فقد غوى ولم يقل ومن عصى الله ورسوله . المسألة الخامسة : قوله : * ( ذلك خير ) * يمكن أن يكون معناه ذلك خير من غيره ويمكن أن يقال ذلك خير في نفسه ، وإن لم يقس إلى غيره لقوله تعالى : * ( وافعلوا الخير ) * ( الحج : 77 ) * ( فاستبقوا الخيرات ) * ( البقرة : 148 ) والثاني أولى لعدم احتياجه إلى إضمار ولكونه أكثر فائدة لأن الخير من الغير قد يكون نازل الدرجة ، عند نزول درجة ما يقاس إليه ، كما يقال السكوت خير من الكذب ، وما هو خير في نفسه فهو حسن ينفع وفعل صالح يرفع . المسألة السادسة : قوله تعالى : * ( للذين يريدون وجه الله ) * إشارة إلى أن الاعتبار بالقصد لا بنفس الفعل ، فإن من أنفق جميع أمواله رياء الناس لا ينال درجة من يتصدق برغيف لله ، وقوله : * ( وجه الله ) * أي يكون عطاؤه لله لا غير ، فمن أعطى للجنة لم يرد به وجه الله ، وإنما أراد مخلوق الله . المسألة السابعة : كيف قال : * ( وأولئك هم المفلحون ) * مع أن للإفلاح شرائط أخر ، وهي