فخر الدين الرازي

121

تفسير الرازي

وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون للخلاص من النار ، وكل واحد بما في نظره فرح ، وأما المخلص فلا يفرح بما يكون لديه ، وإنما يكون فرحه بأن يحصل عند الله ويقف بين يديه وذلك لأن كل ما لدينا نافد لقوله تعالى : * ( ما عندكم ينفد وما عند الله باق ) * ( النحل : 96 ) فلا مطلوب لكم فيما لديكم حتى تفرحوا به وإنما المطلوب ما لدى الله وبه الفرح كما قال تعالى : * ( بل أحياء عند ربهم يرزقون ) * ( آل عمران : 169 ) * ( فرحين بما آتاهم الله من فضله ) * ( آل عمران : 170 ) جعلهم فرحين بكونهم عند ربهم ويكون ما أوتوا من فضله الذي لا نفاد له ، ولذلك قال تعالى : * ( قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا ) * ( يونس : 58 ) لا بما عندهم فإن كل ما عند العبد فهو نافد ، أما في الدنيا فظاهر ، وأما في الآخرة فلأن ما وصل إلى العبد من الالتذاذ بالمأكول والمشروب فهو يزول ، ولكن الله يجدد له مثله إلى الأبد من فضله الذي لا نفاد له فالذي لا نفاد له هو فضله . * ( وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُمْ مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ) * . لما بين التوحيد بالدليل وبالمثل ، بين أن لهم حالة يعرفون بها ، وإن كانوا ينكرونها في وقت وهي حالة الشدة ، فإن عند انقطاع رجائه عن الكل يرجع إلى الله ، ويجد نفسه محتاجة إلى شيء ليس كهذه الأشياء طالبة به النجاة * ( ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون ) * يعني إذا خلصناه يشرك بربه ويقول تخلصت بسبب اتصال الكوكب الفلاني بفلان ، وبسبب الصنم الفلاني ، لا ، بل ينبغي أن لا يعتقد أنه تخلص بسبب فلان إذا كان ظاهراً فإنه شرك خفي ، مثاله رجل في بحر أدركه الغرق فيهئ له لوحاً يسوقه إليه ريح فيتعلق به وينجو ، فيقول تلخصت بلوح ، أو رجل أقبل عليه سبع فيرسل الله إليه رجلاً فيعينه فيقول خلصني زيد ، فهذا إذا كان عن اعتقاد فهو شرك خفي ، وإن كان بمعنى أن الله خلصني على يد زيد فهو أخفى ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : قوله تعالى : * ( أذاقهم ) * فيه لطيفة وذلك لأن الذوق يقال في القليل فإن العرف ( أن ) من أكل مأكولاً كثيراً لا يقول ذقت ، ويقال في النفي ما ذقت في بيته طعاماً نفياً للقليل ليلزم نفي الكثير بالأولى ، ثم إن تلك الرحمة لما كانت خالية منقطعة ولم تكن مستمرة في الآخرة إذ لهم في الآخرة عذاب قال أذاقهم ولهذا قال في العذاب : * ( ذوقوا مس سقر ) * ( القمر : 48 ) * ( ذوقوا ما كنتم تعملون ) * ( العنكبوت : 55 ) * ( ذق إنك أنت العزيز الكريم ) * ( الدخان : 49 ) لأن عذاب الله الواصل إلى العبد بالنسبة إلى الرحمة الواصلة إلى عبيد آخرين في غاية القلة . المسألة الثانية : قوله تعالى : * ( منه ) * أي من الضر في هذا التخصيص ما ذكرناه من الفائدة وهي أن الرحمة غير مطلقة لهم إنما هي عن ذلك الضر وحده ، وأما الضر المؤخر فلا يذوقون منه رحمة .