فخر الدين الرازي

101

تفسير الرازي

الله يبدؤ الخلق ثم يعيده إليه ترجعون ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء وكانوا بشركائهم كافرين كما قال : * ( للذين أحسنوا الحسنى ) * ( يونس : 26 ) وقوله تعالى : * ( أن كذبوا ) * قيل معناه بأن كذبوا أي كان عاقبتهم ذلك بسبب أنهم كذبوا ، وقيل معناه أساءوا وكذبوا فكذبوا يكون تفسيراً لأساؤا وفي هذه الآية لطائف إحداها : قال في حق الذين أحسنوا : * ( للذين أحسنوا الحسنى ) * وقال في حق من أساء : * ( ثم كان عاقبة الذين أساؤا السوآى ) * إشارة إلى أن الجنة لهم من ابتداء الأمر فإن الحسنى اسم الجنة والسوآى اسم النار ، فإذا كانت الجنة لهم ومن الابتداء ، ومن له شيء كلما يزداد وينمو فيه فهو له ، لأن ملك الأصل يوجب ملك الثمرة ، فالجنة من حيث خلقت تربو وتنمو للمحسنين ، وأما الذين أساؤا ، فالسوآى وهي جهنم في العاقبة مصيرهم إليها الثانية : ذكر الزيادة في حق المحسن ولم يذكر الزيادة في حق المسئ لأن جزاء سيئة سيئة مثلها الثالثة : لم يذكر في المحسن أن له الحسنى بأنه صدق ، وذكر في المسئ أن له السوأى بأنه كذب ، لأن الحسنى للمحسنين فضل والمتفضل لو لم يكن تفضله لسبب يكون أبلغ ، وأما السوآى للمسئ عدل والعادل إذا لم يكن تعذيبه لسبب لا يكون عدلاً فذكر السبب في التعذيب وهو الإصرار على التكذيب ، ولم يذكر السبب في الثواب . * ( اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) * . لما ذكر أن عاقبتهم إلى الجحيم وكان في ذلك إشارة إلى الإعادة والحشر لم يتركه دعوى بلا بينة فقال يبدأ الخلق ، يعني من خلق بالقدرة والإرادة لا يعجز عن الرجعة والإعادة فإليه ترجعون ، ثم بين ما يكون وقت الرجوع إليه فقال : * ( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ * وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ مِّن شُرَكَآئِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ كَافِرِينَ ) * . في ذلك اليوم يتبين إفلاسهم ويتحقق إبلاسهم ، والإبلاس يأس مع حيرة ، يعني يوم تقوم الساعة يكون للمجرم يأس محير لا يأس هو إحدى الراحتين ، وهذا لأن الطمع إذا انقطع باليأس فإذا كان المرجو أمراً غير ضروري يستريح الطامع من الانتظار وإن كان ضرورياً بالإبقاء له بوونه ينفطر فؤاده أشد انفطار ، ومثل هذا اليأس هو الإبلاس ولنبين حال المجرم وإبلاسه بمثال ، وهو أن نقول مثله مثل من يكون في بستان وحواليه الملاعب والملاهي ، ولديه ما يفتخر به ويباهي ، فيخبره صادق بمجيء عدو لا يرده راد ، ولا يصده صاد ، إذا جاءه لا يبلعه ريقاً ، ولا يترك له إلى الخلاص طريقاً ، فيتحتم عليه الاشتغال بسلوك طريق الخلاص فيقول له طفل أو