فخر الدين الرازي

9

تفسير الرازي

الضلالات حتى أن أظهر الدلائل إذا ذكرت عنده لا يفهمها وخامسها : قلب مظلم في صدر مظلم . أما قوله : * ( ظلمات بعضها فوق بعض ) * فروي عن ابن كثير أنه قرأ ( سحاب ) وقرأ ( ظلمات ) بالجر على البدل من قوله : * ( أو كظلمات ) * وعنه أيضاً أنه قرأ * ( سحاب ظلمات ) * كما يقال سحاب رحمة وسحاب عذاب على الإضافة وقراءة الباقين * ( سحاب ظلمات ) * كلاهما بالرفع والتنوين وتمام الكلام عند قوله : * ( سحاب ) * ثم ابتدأ * ( ظلمات ) * أي ما تقدم ذكره ظلمات بعضها فوق بعض . أما قوله : * ( لم يكد يراها ) * ففيه قولان : أحدهما : أن كاد نفيه إثبات وإثباته نفي فقوله : * ( وما كادوا يفعلون ) * ( البقرة : 71 ) نفي في اللفظ ولكنه إثبات في المعنى لأنهم فعلوا ذلك وقوله عليه الصلاة والسلام : " كاد الفقر أن يكون كفراً " إثبات في اللفظ لكنه نفي في المعنى لأنه لم يكفر فكذا ههنا قوله : * ( لم يكد يراها ) * معناه أنه رآها والثاني : أن كاد معناه المقاربة فقوله : * ( لم يكد يراها ) * معناه لم يقارب الوقوع ومعلوم أن الذي لم يقارب الوقوع لم يقع أيضاً وهذا القول هو المختار والأول ضعيف لوجهين : الأول : أن ما يكون أقل من هذه الظلمات فإنه لا يرى فيه شيء فكيف مع هذه الظلمات الثاني : أن المقصود من هذا التمثيل المبالغة في جهالة الكفار وذلك إنما يحصل إذا لم توجد الرؤية البتة مع هذه الظلمات . أما قوله : * ( ومن لم يجعل الله نوراً فما له من نور ) * فقال أصحابنا إنه سبحانه لما وصف هداية المؤمن بأنها في نهاية الجلاء والظهور عقبها بأن قال : * ( يهدي الله لنوره من يشاء ) * ولما وصف ضلالة الكافر بأنها في نهاية الظلمة عقبها بقوله : * ( ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور ) * والمقصود من ذلك أن يعرف الإنسان أن ظهور الدلائل لا يفيد الإيمان وظلمة الطريق لا تمنع منه ، فإن الكل مربوط بخلق الله تعالى وهدايته وتكوينه ، وقال القاضي المراد بقوله : * ( ومن لم يجعل الله له نوراً ) * أي في الدنيا بالألطاف * ( فما له من نور ) * أي لا يهتدي فيتحير ويحتمل * ( ومن لم يجعل الله له نوراً ) * أي مخلصاً في الآخرة وفوزاً بالثواب * ( فما له من نور ) * والكلام عليه تزييفاً وتقريراً معلوم . قوله تعالى * ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِى السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضِ وَالطَّيْرُ صَآفَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ * وَللَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ) * اعلم أنه سبحانه لما وصف أنوار قلوب المؤمنين وظلمات قلوب الجاهلين أتبع ذلك بدلائل التوحيد : فالنوع الأول : ما ذكره في هذه الآية ولا شبهة في أن المراد ألم تعلم لأن التسبيح لا