فخر الدين الرازي
15
تفسير الرازي
السماء جبال من برد ، وإذا صح في القدرة كلا الأمرين فلا وجه لترك الظاهر . المسألة الثانية : قال أبو علي الفارسي قوله تعالى : * ( من السماء من جبال فيها من برد ) * فمن الأولى لابتداء الغاية لأن ابتداء الإنزال من السماء ، والثانية للتبعيض لأن ما ينزله الله بعض تلك الجبال التي في السماء ، والثالثة للتبيين لأن جنس تلك الجبال جنس البرد ، ثم قال ومفعول الإنزال محذوف والتقدير وينزل من السماء من جبال فيها من برد ، إلا أنه حذف للدلالة عليه . أما قوله : * ( فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء ) * فالظاهر أنه راجع إلى البرد ، ومعلوم من حاله أنه قد يضر ما يقع عليه من حيوان ونبات ، فبين سبحانه أنه يصيب به من يشاء على وفق المصلحة ويصرفه ، أي يصرف ضرره عمن يشاء بأن لا يسقط عليه ، ومن الناس من حمل البرد على الحجر وجعل نزوله جارياً مجرى عذاب الاستئصال وذلك بعيد . أما قوله تعالى : * ( يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : قرىء * ( يكاد سنا برقه ) * على الإدغام وقرئ ( بُرَقه ) جمع بُرْقة وهي المقدار من البرق وبُرُقه بضمتين للاتباع كما قيل في جمع فعلة فعلات كظلمات ، و ( سناء برقه ) على المد والمقصور بمعنى الضوء والممدود بمعنى العلو والارتفاع من قولك سنى للمرتفع و * ( يذهب بالأبصار ) * على زيادة الباء كقوله : * ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) * ( البقرة : 195 ) عن أبي جعفر المدني . المسألة الثانية : وجه الاستدلال بقوله : * ( يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار ) * أن البرق الذي يكون صفته ذلك لا بد وأن يكون ناراً عظيمة خالصة ، والنار ضد الماء والبرد فظهوره من البرد يقتضي ظهور الضد من الضد ، وذلك لا يمكن إلا بقدرة قادر حكيم . المسألة الثالثة : اختلف النحويون في أنك إذا قلت ذهبت بزيد إلى الدار فهل يجب أن تكون ذاهباً معه إلى الدار ، فالمنكرون احتجوا بهذه الآية . أما قوله : * ( يقلب الله الليل والنهار ) * فقيل فيه وجوه : منها تعاقبهما ومجئ أحدهما بعد الآخر وهو كقوله : * ( وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة ) * ( الفرقان : 62 ) ومنها ولوج أحدهما في الآخر وأخذ أحدهما من الآخر . ومنها تغير أحوالهما في البرد والحر وغيرهما ولا يمتنع في مثل ذلك أن يريد تعالى معاني الكل لأنه في الإنعام والاعتبار أولى وأقوى . أما قوله تعالى : * ( إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار ) * فالمعنى أن فيما تقدم ذكره دلالة لمن يرجع إلى بصيرة ، فمن هذا الوجه يدل أن الواجب على المرء أن يتدبر ويتفكر في هذه الأمور ، ويدل أيضاً على فساد التقليد . قوله تعالى ( والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشى على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين