أبي الفرج الأصفهاني
110
الأغاني
التي أمر بها سليمان ما احتاج أحدهما إلى نسخه ، وقد أكمل [ 1 ] كلّ واحد منهما ما كتب به صاحبه ، فاستحسنه وقرّظه ، ثم وضع سليمان الكتب بين يدي المهتدي ، فقال له وقد قرأها : أحسنت يا سليمان ، ونعم الرجل أنت لولا المعجّل والمؤجّل ، وكان سليمان إذا ولَّي عاملا أخذ [ 2 ] منه مالا معجّلا ، وأجّل له مالا إلى أن يتسلَّم عمله ، فقال له : يا أمير المؤمنين ، هذا قول لا يخلو من أن يكون حقّا أو باطلا ، فإن كان باطلا فليس مثلك من يقوله ، وإن كان حقّا - وقد علمت أن الأصول محفوظة - فما يضر من يساهمني من عمالي على بعض ما يصل إليهم من برّ ؛ من غير تحيّف للرعية ولا نقص للأموال ؟ فقال : إذا كان هكذا [ 3 ] فلا بأس ، ثم قال له : اكتب إلى فلان العامل يقبض ضيعة فلان المصروف المعتقل في يده ، بباقي ما عليه من المصادرة ، فقال له أبو العباس بن ثوابة : كلَّنا يا أمير المؤمنين خدمك وأولياؤك ، وكلَّنا حاطب في حبلك ، وساع فيما أرضاك وأيّد ملكك ، أفنمضي ما تأمر به على ما خيّلت أم نقول بالحق ؟ قال : بل قل الحقّ يا أحمد فقال : يا أمير المؤمنين ، الملك يقين ، والمصادرة . شكّ ، أفترى أن أزيل اليقين بالشكّ ؟ قال : لا ، قال : فقد شهدت للرجل بالملك ، وصادرته عن شكّ فيما بينك وبينه ، وهل خانك أم لا ، فتجعل المصادرة صلحا ! فإذا قبضت ضيعته بهذا فقد أزلت اليقين بالشكّ ، فقال له : صدقت ، ولكن كيف الوصول إلى المال ؟ فقال له : أنت لا بدّ لك من عمّال على أعمالك ، وكلهم يرتزق ، ويرتفق ، فيحوز رفقه ورزقه / إلى منزله ، فاجعله أحد عمّالك ؛ ليصرف هذين الوجهين إلى ما عليه ويسعفه معاملوه ، فيتخلَّص بنفسه وضيعته ويعود إليك مالك ، فأمر سليمان بن وهب بأن يفعل ذلك ، فلمّا خرجا من حضرة المهتدي قال له سليمان : عهدي بهذا الرجل عدوّك ، وكل واحد منكما يسعى على صاحبه ، فكيف زال ذلك ، حتى نبت [ 4 ] عنه في هذا الوقت نيابة أحييته بها ، وتخلَّصت [ 5 ] نفسه ونعمته ؟ فقال : إنما كنت أعاديه ، وأسعى عليه وهو يقدر على الانتصاف مني ، فأمّا وهو فقير إليّ فلا . فهذا مما يحظره الدين والصناعة والمروءة . فقال له سليمان : جزاك اللَّه خيرا ، أما واللَّه ، لأشكرن هذه النيّة لك . ولأعتقدنّك من أجلها أخا وصديقا . ولأجعلنّ هذا الرجل لك عبدا ما بقي . ثم قال الباقطاني : أفمن كان هذا وزنه وفعله يعاب من كان يكتب له ؟ من شعره في نكبته : أخبرني محمد بن يحيى الباقطاني : قال : حدّثنا الحسين بن يحيى الباقطاني قال : كنت آلف سليمان بن وهب كثيرا ، وأخدمه وأحادثه ، وكان يخصّني ويأنس بي . / فأنشدني لنفسه يذكر نكبته في أيام الواثق : صوت نوائب الدهر أدّبتني وإنما يوعظ الأريب [ 6 ]
--> [ 1 ] ف : « وقرأ كل واحد منهما . . . إلخ » . [ 2 ] أي أخذ العامل من سليمان . [ 3 ] في ف ، هج : « إذا كان هذا هكذا » . [ 4 ] س ، ب « ثبت » بدل « نبت » : والمصدر بعد يصحح ما أثبتناه ب . [ 5 ] في س : « وتحصلت » بدل « تخلصت » . [ 6 ] في ف : « الأديب » .