فخر الدين الرازي

9

تفسير الرازي

في أمر بعثكم ، فإن القادر على هذه الأشياء كيف يكون عاجزاً عن الإعادة . أما قوله تعالى : * ( ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ) * فالمراد منه من يبلغه الله تعالى حد الولادة ، والأجل المسمى هو الوقت المضروب للولادة وهو آخر ستة أشهر ، أو تسعة ، أو أربع سنين أو كما شاء وقدر الله تعالى فإن كتب ذلك صار أجلاً مسمى المرتبة الخامسة : قوله : * ( ثم نخرجكم طفلاً ) * وإنما وحد الطفل لأن الغرض الدلالة على الجنس ويحتمل أن يخرج كل واحد منكم طفلاً كقوله : * ( والملائكة بعد ذلك ظهير ) * ( التحريم : 4 ) المرتبة السادسة : قوله : * ( ثم لتبلغوا أشدكم ) * والأشد كمال القوة والعقل والتمييز وهو من ألفاظ الجموع التي لم يستعمل لها واحد وكأنها شدة في غير شيء واحد فبنيت لذلك على لفظ الجمع ، والمراد والله أعلم ثم سهل في تربيتكم وأغذيتكم أموراً لتبلغوا أشدكم فنبه بذلك على الأحوال التي بين خروج الطفل من بطن أمه وبين بلوغ الأشد ويكون بين الحالتين وسائط ، وذكر بعضهم أنه ليس بين حال الطفولية وبين ابتداء حال بلوغ الأشد واسطة حتى جوز أن يبلغ في السن ويكون طفلاً كما يكون غلاماً ثم يدخل في الأشد المرتبة السابعة : قوله : * ( ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئاً ) * والمعنى أن منكم من يتوفى على قوته وكماله ، ومنكم من يرد إلى أرذل العمر وهو الهرم والخرف ، فيصير كما كان في أول طفوليته ضعيف البنية ، سخيف العقل ، قليل الفهم . فإن قيل كيف قال : * ( لكيلا يعلم من بعد علم شيئاً ) * مع أنه يعلم بعض الأشياء كالطفل ؟ قلنا المراد أنه يزول عقله فيصير كأنه لا يعلم شيئاً لأن مثل ذلك قد يذكر في النفي لأجل المبالغة ، ومن الناس من قال هذه الحالة لا تحصل للمؤمنين لقوله تعالى : * ( ثم رددناه أسفل سافلين ، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) * وهو ضعيف . لأن معنى قوله : * ( ثم رددناه أسفل سافلين ) * ( التين : 5 ) هو دلالة على الذم فالمراد به ما يجري مجرى العقوبة ولذلك قال : * ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون ) * ( التين : 6 ) فهذا تمام الاستدلال بحال خلقة الحيوان على صحة البعث الوجه الثاني : الاستدلال بحال خلقة النبات على ذلك وهو قوله سبحانه وتعالى : * ( وترى الأرض هامدة ) * وهمودها يبسها وخلوها عن النبات والخضرة * ( فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت ) * والاهتزاز الحركة على سرور فلا يكاد يقال اهتز فلان لكيت وكيت إلا إذا كان الأمر من المحاسن والمنافع فقوله : * ( اهتزت وربت ) * أي تحركت بالنبات وانتفخت . أما قوله : * ( وأنبتت من كل زوج بهيج ) * فهو مجاز لأن الأرض ينبت منها والله تعالى هو المنبت لذلك ، لكنه يضاف إليها توسعاً ، ومعنى * ( من كل زوج بهيج ) * من كل نوع من أنواع النبات من زرع وغرس ، والبهجة حسن الشيء ونضارته ، والبهيج بمعنى المبهج قال المبرد وهو الشيء المشرق الجميل ، ثم إنه سبحانه لما قرر هذين الدليلين رتب عليهما ما هو المطلوب والنتيجة وذكر أموراً خمسة أحدها : قوله ذلك : * ( بأن الله هو الحق ) * والحق هو الموجود الثابت فكأنه سبحانه بين أن هذه الوجوه دالة على وجود الصانع وحاصلها راجع إلى أن