فخر الدين الرازي

35

تفسير الرازي

قوله تعالى * ( وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ لتَّقْوَى مِنكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ ) * . اعلم أن قوله تعالى : * ( والبدن ) * فيه مسائل : المسألة الأولى : البدن جمع بدنة كخشب وخشبة ، سميت بذلك إذا أهديت للحرم لعظم بدنها وهي الإبل خاصة ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألحق البقر بالإبل حين قال : " البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة " ولأنه قال : * ( فإذا وجبت جنوبها ) * وهذا يختص بالإبل فإنها تنحر قائمة دون البقر ، وقال قوم البدن الإبل والبقر التي يتقرب بها إلى الله تعالى في الحج والعمرة ، لأنه إنما سمى بذلك لعظم البدن فالأولى دخولها فيه ، أما الشاة فلا تدخل وإن كانت تجوز في النسك لأنها صغيرة الجسم فلا تسمى بدنة . المسألة الثانية : قرأ الحسن والبدن بضمتين كثمر في جمع ثمرة ، وابن أبي إسحق بالضمتين وتشديد النون على لفظ الوقف ، وقرئ بالنصب والرفع كقوله : * ( والقمر قدرناه منازل ) * والله أعلم . المسألة الثالثة : إذا قال لله على بدنة ، هل يجوز له نحرها في غير مكة ؟ قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله يجوز ، وقال أبو يوسف رحمه الله لا يجوز إلا بمكة واتفقوا فيمن نذر هدياً أن عليه ذبحه بمكة ، ولو قال : لله على جزور ، أنه يذبحه حيث شاء ، وقال أبو حنيفة رحمه الله البدنة بمنزلة الجزور فوجب أن يجوز له نحرها حيث يشاء بخلاف الهدى فإنه تعالى قال : * ( هدياً بالغ الكعبة ) * ( يس : 39 ) فجعل بلوغ الكعبة من صفة الهدى ، واحتج أبو يوسف رحمه الله بقوله تعالى : * ( والبدن جعلناها لكم من شعائر الله ) * فكان اسم البدنة يفيد كونها قربة فكان كاسم الهدى ، أجاب أبو حنيفة رحمه الله