فخر الدين الرازي
27
تفسير الرازي
بتطهير البيت تفسيراً للتبوئة الجواب : أنه سبحانه لما قال جعلنا البيت مرجعاً لإبراهيم ، فكأنه قيل ما معنى كون البيت مرجعاً له ، فأجيب عنه بأن معناه أن يكون بقلبه موحداً لرب البيت عن الشريك والنظير ، وبقالبه مشتغلاً بتنظيف البيت عن الأوثان والأصنام . السؤال الثاني : أن إبراهيم لما لم يشرك بالله فكيف قال أن لا تشرك بي الجواب : المعنى لا تجعل في العبادة لي شريكاً ، ولا تشرك بي غرضاً آخر في بناء البيت . السؤال الثالث : البيت ما كان معموراً قبل ذلك فكيف قال وطهر بيتي الجواب : لعل ذلك المكان كان صحراء وكانوا يرمون إليها الأقذار ، فأمر إبراهيم ببناء البيت في ذلك المكان وتطهيره من الأقذار ، وكانت معمورة فكانوا قد وضعوا فيها أصناماً فأمره الله تعالى بتخريب ذلك البناء ووضع بناء جديد وذلك هو التطهير عن الأوثان ، أو يقال المراد أنك بعد أن تبنيه فطهره عما لا ينبغي من الشرك وقول الزور . وأما قوله : * ( للطائفين والقائمين ) * فقال ابن عباس رضي الله عنهما للطائفين بالبيت من غير أهل مكة * ( والقائمين ) * أي المقيمين بها * ( والركع السجود ) * أي من المصلين من الكل ، وقال آخرون القائمون وهم المصلون ، لأن المصلي لا بد وأن يكون في صلاته جامعاً بين القيام والركوع والسجود والله أعلم . أما قوله تعالى : * ( وأذن في الناس بالحج ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن محيصن * ( وآذن ) * بمعنى أعلم . المسألة الثانية : في المأمور قولان : أحدهما : وعليه أكثر المفسرين أنه هو إبراهيم عليه السلام قالوا لما فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت قال سبحانه : * ( وأذن في الناس بالحج ) * قال يا رب وما يبلغ صوتي ؟ قال عليك الأذان وعلى البلاغ . فصعد إبراهيم عليه السلام الصفا وفي رواية أخرى أبا قبيس ، وفي رواية أخرى على المقام قال إبراهيم كيف أقول ؟ قال جبريل عليه السلام : قل لبيك اللهم لبيك فهو أول من لبى ، وفي رواية أخرى أنه صعد الصفا فقال : يا أيها الناس إن الله كتب عليكم حج البيت العتيق فسمعه ما بين السماء والأرض ، فما بقي شيء سمع صوته إلا أقبل يلبي يقول : لبيك اللهم لبيك ، وفي رواية أخرى إن الله يدعوكم إلى حج البيت الحرام ليثيبكم به الجنة ويخرجكم من النار ، فأجابه يومئذ من كان في أصلاب الرجال وأرحام النساء ، وكل من وصل إليه صوته من حجر أو شجر ومدر وأكمة أو تراب ، قال مجاهد : فما حج إنسان ولا يحج أحد حتى تقوم الساعة إلا وقد أسمعه ذلك النداء ، فمن أجاب مرة حج مرة ، ومن أجاب مرتين أو أكثر . فالحج مرتين أو أكثر على ذلك المقدار ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما أمر إبراهيم عليه السلام بالأذان تواضعت له الجبال وخفضت وارتفعت له القرى ، قال القاضي عبد الجبار : يبعد قولهم إنه أجابه الصخر والمدر ، لأن الإعلام لا يكون إلا لمن يؤمر بالحج