فخر الدين الرازي

20

تفسير الرازي

دون كثير منهم فإنه يمتنع عن ذلك وهم الذين حق عليهم العذاب . القول الثاني : في تفسير السجود أن كل ما سوى الله تعالى فهو ممكن لذاته والممكن لذاته لا يترجح وجوده على عدمه إلا عند الانتهاء إلى الواجب لذاته كما قال : * ( وأن إلى ربك المنتهى ) * ( النجم : 42 ) وكما أن الإمكان لازم للممكن حال حدوثه وبقائه فافتقاره إلى الواجب حاصل حال حدوثه وحال بقائه ، وهذا الافتقار الذاتي اللازم للماهية أدل على الخضوع والتواضع من وضع الجبهة على الأرض فإن ذلك علامة وضعية للافتقار الذاتي ، قد يتطرق إليها الصدق والكذب ، أما نفس الافتقار الذاتي فإنه ممتنع التغير والتبدل ، فجميع الممكنات ساجدة بهذا المعنى لله تعالى أي خاضعة متذللة معترفة بالفاقة إليه والحاجة إلى تخليفه وتكوينه ، وعلى هذا تأولوا قوله : * ( وإن من شيء إلا يسبح بحمده ) * ( الإسراء : 44 ) وهذا قول القفال رحمه الله . القول الثالث : أن سجود هذه الأشياء سجود ظلها كقوله تعالى : * ( يتفيؤا ظلاله عن اليمين والشمائل سجداً لله وهم داخرون ) * ( النحل : 48 ) وهو قول مجاهد . وأما قوله : * ( كثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ) * فقال ابن عباس في رواية عطاء وكثير من الناس يوحده وكثير حق عليه العذاب ممن لا يوحده ، وروى عنه أيضاً أنه قال وكثير من الناس في الجنة . وهذه الرواية تؤكد ما ذكرنا أن قوله : * ( وكثير من الناس ) * مبتدأ وخبره محذوف ، وقال آخرون : الوقف على قوله : * ( وكثير من الناس ) * ثم استأنف فقال : * ( وكثير حق عليه العذاب ) * أي وجب بإبائه وامتناعه من السجود . وأما قوله تعالى : * ( ومن يهن الله فما له من مكرم ) * فالمعنى أن الذين حق عليهم العذاب ليس لهم أحد يقدر على إزالة ذلك الهوان عنهم فيكون مكرماً لهم ، ثم بين بقوله : * ( إن الله يفعل ما يشاء ) * أنه الذي يصح منه الإكرام والهوان يوم القيامة بالثواب والعقاب ، والله أعلم . قوله تعالى * ( هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِى رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارِ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِى بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَآ أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ * إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ لَّذِينَ ءَامَنُواْ