فخر الدين الرازي
11
تفسير الرازي
لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِى الدُّنْيَا خِزْىٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلعَبِيدِ ) * . القراءة : * ( ثاني عطفه ) * بكسر العين الحسن وحده بفتح العين * ( ليضل ) * قرىء بضم الياء وفتحها القراءة المعروفة * ( ونذيقه ) * بالنون وقرأ زيد بن علي أذيقه ، المعاني في الآية مسائل : المسألة الأولى : اختلفوا في أن المراد بقوله : * ( ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد ) * ( الحج : 3 ) من هم ؟ على وجوه : أحدها : قال أبو مسلم الآية الأولى وهي قوله : * ( ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ) * ويتبع كل شيطان مريد واردة في الأتباع المقلدين وهذه الآية واردة في المتبوعين المقلدين ، فإن كلا المجادلين جادل بغير علم وإن كان أحدهما تبعاً والآخر متبوعاً وبين ذلك قوله : * ( ولا هدى ولا كتاب منير ) * فإن مثل ذلك لا يقال في المقلد ، وإنما يقال فيمن يخاصم بناء على شبهة ، فإن قيل : كيف يصح ما قلتم والمقلد لا يكون مجادلاً ؟ قلنا قد يجادل تصويباً لتقليده وقد يورد الشبهة الظاهرة إذا تمكن منها وإن كان معتمده الأصلي هو التقليد وثانيها : أن الآية الأولى نزلت في النضر بن الحرث ، وهذه الآية في أبي جهل وثالثها : أن هذه الآية نزلت أيضاً في النضر وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما وفائدة التكرير المبالغة في الذم وأيضاً ذكر في الآية الأولى اتباعه للشيطان تقليداً بغير حجة ، وفي الثانية مجادلته في الدين وإضلاله غيره بغير حجة والوجه الأول أقرب لما تقدم . المسألة الثانية : الآية دالة على أن الجدال مع العلم والهدى والكتاب المنير حق حسن على ما مر تقريره . المسألة الثالثة : المراد بالعلم العلم الضروري ، وبالهدى الاستدلال والنظر لأنه يهدي إلى المعرفة وبالكتاب المنير الوحي ، والمعنى أنه يجادل من غير مقدمة ضرورية ولا نظرية ولا سمعية وهو كقوله : * ( ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطاناً وما ليس لهم به علم ) * ( الحج : 71 ) وقوله : * ( ائتوني بكتاب من قبل هذا ) * ( الأحقاف : 4 ) أما قوله : * ( ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله ) * فاعلم أن ثنى العطف عبارة عن الكبر والخيلاء كتصعير الخد ولي الجيد وقوله : * ( ليضل عن سبيل الله ) * فأما القراءة بضم الياء فدلالة على أن هذا المجادل فعل الجدال وأظهر التكبر لكي يتبعه غيره فيضله عن طريق الحق فجمع بين الضلال والكفر وإضلال الغير . وأما القراءة بفتح الياء فالمعنى أنه لما أدى جداله إلى الضلال جعل كأنه غرضه ، ثم إنه سبحانه وتعالى شرح حاله في الدنيا والآخرة . أما في الدنيا فيوم