فخر الدين الرازي
38
تفسير الرازي
وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون ) * ( الأنعام : 43 ) وقال عليه السلام : " لا يقولون أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت " ولكن يجزم فيقول : اللهم اغفر لي فلهذا السر جزم موسى عليه السلام بالدعاء وقال رب اشرح لي صدري . الوجه الخامس : في فضل الدعاء قوله تعالى : * ( وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ) * ( غافر : 60 ) وفيه كرامة عظيمة لأمتنا لأن بني إسرائيل فضلهم الله تفضيلاً عظيماً فقال في حقهم : * ( وأني فضلتكم على العالمين ) * ( البقرة : 47 ) وقال أيضاً : * ( وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين ) * ( المائدة : 20 ) ثم مع هذه الدرجة العظيمة قالوا لموسى عليه السلام : * ( أدع لنا ربك يبين لنا ما هي ) * ( البقرة : 68 ) وأن الحواريين مع جلالتهم في قولهم : * ( نحن أنصار الله ) * ( آل عمران : 52 ) سألوا عيسى عليه السلام أن يسأل لهم مائدة تنزل من السماء ثم إنه سبحانه وتعالى رفع هذه الواسطة في أمتنا فقال مخاطباً لهم من غير واسطة : * ( ادعوني أستجب لكم ) * وقال : * ( واسألوا الله من فضله ) * ( النساء : 32 ) فلهذا السبب لما حصلت هذه الفضيلة لهذه الأمة وكان موسى عليه السلام قد عرفها لا جرم فقال : " اللهم اجعلني من أمة محمد صلى الله عليه وسلم " فلا جرم رفع يديه ابتداء فقال : * ( رب اشرح لي صدري ) * واعلم أنه تعالى قال : * ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ) * ( البقرة : 186 ) ثم إنه تعالى جعل العباد على سبعة أقسام : أحدها : عبد العصمة : * ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ) * ( الحجر : 42 ) وموسى عليه السلام كان مخصوصاً بمزيد العصمة : * ( واصطنعتك لنفسي ) * ( طه : 41 ) فلا جرم طلب زوائد العصمة فقال : * ( رب اشرح لي صدري ) * . وثانيها : عبد الصفوة : * ( وسلام على عباده الذين اصطفى ) * ( النمل : 59 ) وموسى عليه السلام كان مخصوصاً بمزيد الصفوة : * ( يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي ) * ( الأعراف : 144 ) فلا جرم أراد مزيد الصفوة فقال : * ( رب اشرح لي صدري ) * . وثالثها : عبد البشارة : * ( فبشر عبادي * الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ) * ( الزمر : 17 ، 18 ) وكان موسى عليه السلام مخصوصاً بذلك : * ( وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى ) * ( طه : 13 ) فأراد مزيد البشارة فقال : * ( رب اشرح لي صدري ) * . ورابعها : عبد الكرامة : * ( يا عباد لا خوف عليكم ) * ( الزخرف : 68 ) وموسى عليه السلام كان مخصوصاً بذلك : * ( لا تخافا إنني معكما ) * ( طه : 46 ) فأراد الزيادة عليها فقال : * ( رب اشرح لي صدري ) * . وخامسها : عبد المغفرة : * ( نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم ) * ( الحجر : 49 ) ، وكان موسى عليه السلام مخصوصاً بذلك : * ( رب اغفر لي ) * ( ص : 35 ) فغفر له فأراد الزيادة فقال : * ( رب اشرح لي صدري ) * . وسادسها : عبد الخدمة : * ( اعبدوا ربكم ) * ( البقرة : 21 ) وموسى عليه السلام كان مخصوصاً بذلك : * ( واصطنعتك لنفسي ) * فطلب الزيادة فيها فقال : * ( اشرح لي صدري ) * . وسابعها : عبد القربة : * ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ) * ( البقرة : 186 ) وموسى عليه السلام كان مخصوصاً بالقرب : * ( وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجياً ) * ( مريم : 52 ) فأراد كمال القرب فقال : * ( رب اشرح لي صدري ) * . الفصل الثالث : في قوله : * ( رب اشرح لي صدري ) * وفيه وجوه : أحدها : أنه تعالى لما خاطبه بالأشياء الستة ( التي ) أحدها : معرفة التوحيد : * ( إنني أنا الله لا إله إلا أنا ) * ( طه : 14 ) ، وثانيها : أمره بالعبادة والصلاة : * ( فاعبدني وأقم الصلاة لذكري ) * ( طه : 14 ) ، وثالثها : معرفة الآخرة : * ( إن الساعة آتية ) * ( طه : 15 )