فخر الدين الرازي

31

تفسير الرازي

من عيني فبلغه عني رسالتي وادعه إلى عبادتي وحذره نقمتي : وقل له قولاً ليناً لا يغترن بلباس الدنيا فإن ناصيته بيدي ، لا يطرف ولا يتنفس إلا بعلمي ، في كلام طويل ، قال فسكت موسى سبعة أيام لا يتكلم ثم جاءه ملك فقال أجب ربك فيما أمرك بعبده " . قوله تعالى * ( قَالَ رَبِّ شْرَحْ لِى صَدْرِى * وَيَسِّرْ لِى أَمْرِى * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِى * يَفْقَهُواْ قَوْلِي * وَاجْعَل لِّى وَزِيراً مِّنْ أَهْلِى * هَارُونَ أَخِى * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِى * وَأَشْرِكْهُ فِى أَمْرِى * كَىْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً * وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً * إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً ) * اعلم أن الله تعالى لما أمر موسى عليه السلام بالذهاب إلى فرعون وكان ذلك تكليفاً شاقاً فلا جرم سأل ربه أموراً ثمانية ، ثم ختمها بما يجري مجرى العلة لسؤال تلك الأشياء . المطلوب الأول : قوله : * ( رب اشرح لي صدري ) * واعلم أنه يقال شرحت الكلام أي بينته وشرحت صدره أي وسعته والأول يقرب منه لأن شرح الكلام لا يحصل إلا ببسطة . والسبب في هذا السؤال ما حكى الله تعالى عنه في موضع آخر وهو قوله : * ( ويضيق صدري ولا ينطلق لساني ) * ( الشعراء : 13 ) فسأل الله تعالى أن يبدل ذلك الضيق بالسعة ، وقال : * ( رب اشرح لي صدري ) * فأفهم عنك ما أنزلت علي من الوحي ، وقيل : شجعني لأجترئ به على مخاطبة فرعون ثم الكلام فيه يتعلق بأمور . أحدها : فائدة الدعاء وشرائطه . وثانيها : ما السبب في أن الإنسان لا يذكر وقت الدعاء من أسماء الله تعالى إلا الرب . وثالثها : ما معنى شرح الصدر . ورابعها : بماذا يكون شرح الصدر . وخامسها : كيف كان شرح الصدر في حق موسى عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم . وسادسها : صفة صدر موسى عليه السلام هل كان منشرحاً أو لم يكن منشرحاً ، فإن كان منشرحاً كان طلب شرح الصدر تحصيلاً للحاصل وهو محال ، وإن لم يكن منشرحاً فهو باطل من وجهين . الأول : أنه سبحانه بين له فيما تقدم كل ما يتعلق بالأديان من معرفة الربوبية والعبودية وأحوال المعاد وكل ما يتعلق بشرح الصدر في باب الدين فقد حصل ، ثم إنه سبحانه تلطف له بقوله : * ( وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى ) * ( طه : 13 ) ثم كلمه على سبيل الملاطفة بقوله : * ( وما تلك بيمينك يا موسى ) * ( طه : 17 ) ثم أظهر له المعجزات