فخر الدين الرازي

26

تفسير الرازي

يا موسى ) * خطاب من الله تعالى مع موسى عليه السلام بلا واسطة ، ولم يحصل ذلك لمحمد صلى الله عليه وسلم فيلزم أن يكون موسى أفضل من محمد . الجواب من وجهين : الأول : أنه تعالى كما خاطب موسى فقد خاطب محمداً عليه السلام في قوله : * ( فأوحى إلى عبده ما أوحى ) * ( النجم : 10 ) إلا أن الفرق بينهما أن الذي ذكره مع موسى عليه السلام أفشاه الله إلى الخلق ، والذي ذكره مع محمد صلى الله عليه وسلم كان سراً لم يستأهل له أحد من الخلق . والثاني : إن كان موسى تكلم معه وهو ( تكلم ) مع موسى فأمة محمد صلى الله عليه وسلم يخاطبون الله في كل يوم مرات على ما قال صلى الله عليه وسلم : " المصلي يناجي ربه " والرب يتكلم مع آحاد أمة محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة بالتسليم والتكريم والتكليم في قوله : * ( سلام قولاً من رب رحيم ) * ( يس : 58 ) . السؤال الثالث : ما إعراب قوله : * ( وما تلك بيمينك يا موسى ) * الجواب ، قال صاحب " الكشاف " : ( تلك بيمينك ) كقوله : * ( وهذا بعلي شيخاً ) * ( هود : 72 ) في انتصاب الحال بمعنى الإشارة ويجوز أن يكون تلك اسماً موصولاً وصلته * ( بيمينك ) * قال الزجاج : معناه وما التي بيمينك ، قال الفراء : معناه ما هذه التي في يمينك ، واعلم أنه سبحانه لما سأل موسى عليه السلام عن ذلك أجاب موسى عليه السلام بأربعة أشياء ، ثلاثة على التفصيل وواحد على الإجمال . الأول : قوله : * ( هي عصاي ) * قرأ ابن أبي إسحق : ( هي عصي ) ومثلها : ( يا بشرى ) قرأ الحسن ( هي عصاي ) بسكون الياء والنكث ههنا ثلاثة . إحداها : أنه قال : * ( هي عصاي ) * فذكر العصا ومن كان قلبه مشغولاً بالعصا ومنافعها كيف يكون مستغرقاً في بحر معرفة الحق ولكن محمداً صلى الله عليه وسلم عرض عليه الجنة والنار فلم يلتفت إلى شيء : * ( ما زاغ البصر وما طغى ) * ( النجم : 17 ) ولما قيل له امدحنا ، قال : " لا أحصي ثناء عليك " ثم نسي نفسه ونسي ثناءه فقال : " أنت كما أثنيت على نفسك " . وثانيها : لما قال : * ( عصاي ) * قال الله سبحانه وتعالى : * ( ألقها ) * ، فلما ألقاها * ( فإذا هي حية تسعى ) * ليعرف أن كل ما سوى الله فالالتفات إليه شاغل وهو كالحية المهلكة لك . ولهذا قال الخليل عليه السلام : * ( فإنهم عدو لي إلا رب العالمين ) * وفي الحديث : " يجاء يوم القيامة بصاحب المال الذي لم يؤد زكاته ويؤتي بذلك المال على صورة شجاع أقرع " الحديث بتمامه . وثالثها : أنه قال هي عصاي فقد تم الجواب ، إلا أنه عليه السلام ذكر الوجوه الأخر لأنه كان يحب المكالمة مع ربه فجعل ذلك كالوسيلة إلى تحصيل هذا الغرض . الثاني : قوله : * ( أتوكأ عليها ) * والتوكي ، والإتكاء ، واحد كالتوقي ، والإتقاء معناه اعتمد عليها إذا عييت أو وقفت على رأس القطيع أو عند الطفرة فجعل موسى عليه السلام نفسه متوكئاً على العصا وقال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم : " اتكئ على رحمتي " بقوله تعالى : * ( يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ) * ( الأنفال : 64 ) وقال : * ( والله يعصمك من الناس ) * ( المائدة : 67 ) فإن قيل : أليس قوله : * ( ومن اتبعك من المؤمنين ) * يقتضي كون محمد يتوكأ على المؤمنين ؟ قلنا قوله : * ( ومن اتبعك من المؤمنين ) * معطوف على الكاف في قوله : * ( حسبك الله ) * والمعنى الله حسبك ، وحسب من اتبعك من المؤمنين . الثالث : قوله : * ( وأهش بها على غنمي ) * أي أخبط بها فأضرب أغصان الشجر ليسقط ورقها على غنمي فتأكله . وقال أهل