فخر الدين الرازي

234

تفسير الرازي

بالحق أي بالعذاب . كأنه قال : اقص بيني وبين من كذبني بالعذاب ، وقال قتادة : أمره الله تعالى أن يقتدي بالأنبياء في هذه الدعوة وكانوا يقولون : * ( ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ) * ( الأعراف : 89 ) فلا جرم حكم الله تعالى عليهم بالقتل يوم بدر . وثانيها : افصل بيني وبينهم بما يظهر الحق للجميع وهو أن تنصرني عليهم . أما قوله تعالى : * ( وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون ) * ففيه وجهان ؛ أحدهما : أي من الشرك والكفر وما تعارضون به دعوتي من الأباطيل والتكذيب كأنه سبحانه قال : قل داعياً لي : * ( رب احكم بالحق ) * وقل متوعداً للكفار : * ( وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون ) * قرأ ابن عامر بالياء المنقوطة من تحت ، أي قل لأصحابك المؤمنين ، وربنا الرحمن المستعان على ما يصف الكفار من الأباطيل ، أي من العون على دفع أباطيلهم . وثانيها : كانوا يطمعون أن تكون لهم الشوكة والغلبة فكذب الله ظنونهم وخيب آمالهم ونصر رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وخذلهم ، قال القاضي : إنما ختم الله هذه السورة بقوله : * ( قل رب احكم بالحق ) * لأنه عليه السلام كان قد بلغ في البيان الغاية لهم وبلغوا النهاية في أذيته وتكذيبه فكان قصارى أمره تعالى بذلك تسلية له وتعريفاً أن المقصود مصلحتهم ، فإذا أبوا إلا التمادي في كفرهم ، فعليك بالانقطاع إلى ربك ليحكم بينك وبينهم بالحق ، إما بتعجيل العقاب بالجهاد أو بغيره ، وإما بتأخير ذلك فإن أمرهم وإن تأخر فما هو كائن قريب ، وما روي أنه عليه السلام كان يقول ذلك في حروبه كالدلالة على أنه تعالى أمره أن يقول هذا القول كالإستعجال للأمر بمجاهدتهم وبالله التوفيق ، وصلاته على خير خلقه محمد النبي وآله وصحبه وسلم تسليماً آمين .