فخر الدين الرازي
224
تفسير الرازي
مخصوص بالدلائل العقلية والسمعية في حق الملائكة والمسيح وعزير لبراءتهم من الذنوب والمعاصي ، ووعد الله إياهم بكل مكرمة ، وهذا هو المراد من قوله سبحانه : * ( إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ) * ( الأنبياء : 101 ) . وخامسها : الجواب الذي ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أنهم كانوا يعبدون الشياطين ، فإن قيل الشياطين عقلاء ، ولفظ ما لا يتناولهم فكيف قال الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك ؟ قلنا كأنه عليه السلام قال : لو ثبت لكم أنه يتناول العقلاء فسؤالكم أيضاً غير لازم من هذا الوجه . وأما ما قيل : إنه عليه السلام سكت عند إيراد ابن الزبعري هذا السؤال فهو خطأ لأنه لا أقل من أنه عليه السلام كان يتنبه لهذه الأجوبة التي ذكرها المفسرون ، لأنه عليه السلام كان أعلم منهم باللغة وبتفسير القرآن ، فكيف يجوز أن تظهر هذه الأجوبة لغيره ، ولا يظهر شيء منها له عليه السلام . فإن قيل : جوزوا أن يسكت عليه السلام انتظاراً للبيان قلنا : لما كان البيان حاضراً معه لم يجز عليه السكوت لكي لا يتوهم فيه الانقطاع عن سؤالهم ، ومن الناس من أجاب عن سؤال ابن الزبعري فقال : إن الله تعالى يصور لهم في النار ملكاً على صورة من عبدوه ، وحينئذ تبقى الآية على ظاهرها واعلم أن هذا ضعيف من وجهين . الأول : أن القوم لم يعبدوا تلك الصورة وإنما عبدوا شيئاً آخر لم يحصل معهم في النار . الثاني : وهو أن الملك لا يصير حصب جهنم في الحقيقة وإن صح أن يدخلها ، فإن خزنة النار يدخلونها مع أنهم ليسوا حصب جهنم . المسألة الثانية : الحكمة في أنهم قرنوا بآلهتهم أمور . أحدها : أنهم لا يزالون لمقارنتهم في زيادة غم وحسرة ، لأنهم ما وقعوا في ذلك العذاب إلا بسببهم والنظر إلى وجه العدو باب من العذاب . وثانيها : أن القوم قدروا أنهم يشفعون لهم في الآخرة في دفع العذاب ، فإذا وجدوا الأمر على عكس ما قدروا لم يكن شيء أبغض إليهم منهم . وثالثها : أن إلقاءها في النار يجري مجرى الاستهزاء بعبادها . ورابعها : قيل ما كان منها حجراً أو حديداً يحمى ويلزق بعبادها ، وما كان خشباً يجعل جمرة يعذب بها صاحبها . أما قوله تعالى : * ( حصب جهنم ) * فالمراد يقذفون في نار جهنم فشبههم بالحصباء التي يرمى بها الشيء فلما رمى بها كرمي الحصباء ، جعلهم حصب جهنم تشبيهاً ، قال صاحب " الكشاف " : الحصب الرمي وقرئ بسكون الصاد وصفاً بالمصدر ، وقرئ حطب وحضب بالضاد المنقوطة متحركاً وساكناً . أما قوله تعالى : * ( أنتم لها واردون ) * فإنما جاز مجيء اللام في لها لتقدمها على الفعل تقول أنت لزيد ضارب كقوله تعالى : * ( والذين هم لأماناتهم وعهدهم ) * ( المؤمنون : 8 ) * ( والذين هم لفروجهم ) * ( المؤمنون : 5 ) أي أنتم فيها داخلون ، والمعنى أنه لا بد وأن تردوها ولا معدل لكم عن دخولها . أما قوله تعالى : * ( لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها ) * فاعلم أن قوله : * ( إنكم وما تعبدون من دون الله ) * بالأصنام أليق لدخول لفظة ما ، وهذا الكلام بالشياطين أليق لقوله هؤلاء ويحتمل أن يريد