فخر الدين الرازي
221
تفسير الرازي
كفران لسعي أحد فإنه سبحانه سيعطيه الجزاء على ذلك يوم القيامة وهو تأويل أبي مسلم بن بحر . وأما الثاني : فيكون المعنى أن رجوعهم إلى الدنيا واجب لكن المعلوم أنهم لم يرجعوا إلى الدنيا فعند هذا ذكر المفسرون وجهين : الأول : أن الحرام قد يجيء بمعنى الواجب والدليل عليه الآية والاستعمال والشعر ، أما الآية فقوله تعالى : * ( قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئاً ) * ( الأنعام : 151 ) وترك الشرك واجب وليس بمحرم ، وأما الشعر فقول الخنساء : وإن حراماً لا أرى الدهر باكيا * على شجوه إلا بكيت على عمرو يعني وإن واجباً ، وأما الاستعمال فلأن تسمية أحد الضدين باسم الآخر مجاز مشهور كقوله تعالى : * ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) * ( الشورى : 40 ) إذا ثبت هذا فالمعنى أنه واجب على أهل كل قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون ، ثم ذكروا في تفسير الرجوع أمرين : أحدهما : أنهم لا يرجعون عن الشرك ولا يتولون عنه وهو قول مجاهد والحسن . وثانيها : لا يرجعون إلى الدنيا وهو قول قتادة ومقاتل . الوجه الثاني : أن يترك قوله وحرام على ظاهره ويجعل في قوله : * ( لا يرجعون ) * صلة زائدة كما أنه صلة في قوله : * ( ما منعك أن لا تسجد ) * ( الأعراف : 12 ) والمعنى حرام على قرية أهلكناها رجوعهم إلى الدنيا وهو كقوله : * ( فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون ) * ( يس : 50 ) أو يكون المعنى وحرام عليهم رجوعهم عن الشرك وترك الأيمان ، وهذا قول طائفة من المفسرين ، وهذا كله إذا جعلنا قوله وحرام خبراً لقوله : * ( أنهم لا يرجعون ) * أما إذا جعلناه خبراً لشيء آخر فالتقدير وحرام على قرية أهلكناها ذاك ، وهو المذكور في الآية المتقدمة من العمل الصالح والسعي المشكور غير المكفور ثم علل فقال : * ( إنهم لا يرجعون ) * عن الكفر فكيف لا يمتنع ، ذلك هذا على قراءة إنهم بالكسر والقراءة بالفتح يصح حملها أيضاً على هذا أي أنهم لا يرجعون . أما قوله تعالى : * ( حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم * ( من كل حدب ينسلون * واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : أن حتى متعلقة بحرام فأما على تأويل أبي مسلم فالمعنى أن رجوعهم إلى الآخرة واجب حتى أن وجوبه يبلغ إلى حيث أنه إذا فتحت يأجوج ومأجوج ، واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفورا ، والمعنى أنهم يكونون أول الناس حضوراً في محفل القيامة ، فحتى متعلقة بحرام وهي غاية له ولكنه غاية من جنس الشيء كقولك دخل الحاج حتى المشاة . وحتى ههنا هي التي يحكى بعدها الكلام . والكلام المحكى هو هذه الجملة من الشرط والجزاء أعني قوله : * ( وإذا فتحت يأجوج ومأجوج * واقترب الوعد الحق ) * فهناك يتحقق شخوص أبصار الذين كفروا ، وذلك غير جائز لأن الشرط إنما يحصل في آخر أيام الدنيا والجزاء إنما يحصل في يوم القيامة ، والشرط والجزاء لا بد وأن يكونا متقاربين ، قلنا التفاوت القليل يجري مجرى المعدوم ، وأما على التأويلات الباقية فالمعنى أن امتناع رجوعهم لا يزول حتى تقوم الساعة .