فخر الدين الرازي
204
تفسير الرازي
الضيف وكان معه ثلاثة نفر قد آمنوا به وعرفوا فضله ، قال وهب : وإن لجبريل عليه السلام بين يدي الله تعالى مقاماً ليس لأحد من الملائكة مثله في القربة والفضيلة ، وهو الذي يتلقى الكلام فإذا ذكر الله عبداً بخير تلقاه جبريل عليه السلام ثم تلقاه ميكائيل عليه السلام ثم من حوله من الملائكة المقربين ، فإذا شاع ذلك فهم يصلون عليه . ثم صلت ملائكة السماوات ثم ملائكة الأرض . وكان إبليس لم يحجب عن شيء من السماوات ، وكان يقف فيهن حيثما أراد ، ومن هناك وصل إلى آدم عليه السلام حتى أخرجه من الجنة . ولم يزل على ذلك حتى رفع عيسى عليه السلام فحجب عن أربع . فكان يصعد بعد ذلك إلى ثلاث إلى زمان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فحجب عند ذلك عن جميع السماوات إلا من استرق السمع ، قال : فسمع إبليس تجاوب الملائكة بالصلاة على أيوب فأدركه الحسد ، فصعد سريعاً حتى وقف من السماء موقفاً كان يقفه ، فقال : يا رب إنك أنعمت على عبدك أيوب فشكرك وعافيته فحمدك ثم لم تجربه بشدة ولا بلاء وأنا لك زعيم لئن ضربته بالبلاء ليكفرن بك ، فقال الله تعالى : انطلق فقد سلطتك على ماله . فانقض الملعون حتى وقع إلى الأرض وجمع عفاريت الشياطين ، وقال لهم : ماذا عندكم من القوة فإني سلطت على مال أيوب ؟ قال عفريت : أعطيت من القوة ما إذا شئت تحولت إعصاراً من نار فأحرقت كل شيء آتي عليه ، فقال إبليس : فأت الإبل ورعاءها فذهب ولم يشعر الناس حتى ثار من تحت الأرض إعصار من نار لا يدنو منها شيء إلا احترق فلم يزل يحرقها ورعاءها حتى أتى على آخرها ، فذهب إبليس على شكل بعض أولئك الرعاة إلى أيوب فوجده قائماً يصلي ، فلما فرغ من الصلاة قال : يا أيوب هل تدري ما صنع ربك الذي اخترته بإبلك ورعائها ؟ فقال أيوب : إنها ماله أعارنيه وهو أولى به إذا شاء نزعه . قال إبليس : فإن ربك أرسل عليها ناراً من السماء فاحترقت ورعاؤها كلها وتركت الناس مبهوتين متعجبين منها . فمن قائل يقول : ما كان أيوب يعبد شيئاً وما كان إلا في غرور ، ومن قائل يقول : لو كان إله أيوب يقدر على شيء لمنع من وليه ، ومن قائل آخر يقول : بل هو الذي فعل ما فعل ليشمت عدوه به ويفجع به صديقه . فقال أيوب عليه السلام : الحمد لله حين أعطاني وحين نزع مني ، عرياناً خرجت من بطن أمي ، وعرياناً أعود في التراب ، وعرياناً أحشر إلى الله تعالى ، ولو علم الله فيك أيها العبد خيراً لنقل روحك مع تلك الأرواح وصرت شهيداً وآجرني فيك ، ولكن الله علم منك شراً فأخرك . فرجع إبليس إلى أصحابه خاسئاً . فقال عفريت آخر : عندي من القوة ما إذا شئت صحت صوتاً لا يسمعه ذو روح إلا خرجت روحه ، فقال إبليس : فأت الغنم ورعاءها فانطلق فصاح بها فماتت ومات رعاؤها . فخرج إبليس متمثلاً بقهرمان الرعاة إلى أيوب فقال له القول الأول : ورد عليه أيوب الرد الأول ، فرجع إبليس صاغراً . فقال عفريت آخر : عندي من القوة ما إذا شئت تحولت ريحاً عاصفة أقلع كل شيء أتيت عليه ، قال فاذهب إلى الحرث والثيران فأتاهم فأهلكهم ثم رجع إبليس متمثلاً حتى جاء أيوب وهو يصلي ، فقال مثل قوله الأول فرد عليه أيوب الرد الأول ، فجعل