فخر الدين الرازي

201

تفسير الرازي

بأسكم أي من الجرح والقتل والسيف والسهم والرمح . المسألة الخامسة : فيه دلالة على أن أول من عمل الدرع داود ثم تعلم الناس منه ، فتوارث الناس عنه ذلك . فعمت النعمة بها كل المحاربين من الخلق إلى آخر الدهر ، فلزمهم شكر الله تعالى على النعمة فقال : * ( فهل أنتم شاكرون ) * أي اشكروا الله على ما يسر عليكم من هذه الصنعة ، واعلم أنه سبحانه لما ذكر النعم التي خص داود بها ذكر بعده النعم التي خص بها سليمان عليه السلام ، وقال قتادة : ورث الله تعالى سليمان من داود ملكه ونبوته وزاده عليه أمرين سخر له الريح والشياطين . الإنعام الأول : قوله تعالى : * ( ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره ) * أي جعلناها طائعة منقادة له بمعنى أنه إن أرادها عاصفة كانت عاصفة وإن أرادها لينة كانت لينة والله تعالى مسخرها في الحالتين ، فإن قيل : العاصف الشديدة الهبوب ، وقد وصفها الله تعالى بالرخاوة في قوله : * ( رخاء حيث أصاب ) * فكيف يكون الجمع بينهما . والجواب : من وجهين : الأول : أنها كانت في نفسها رخية طيبة كالنسيم ، فإذا مرت بكرسيه أبعدت به في مدة يسيرة على ما قال : * ( غدوها شهر ورواحها شهر ) * وكانت جامعة بين الأمرين رخاء في نفسها وعاصفة في عملها مع طاعتها لسليمان عليه السلام وهبوبها على حسب ما يريد ويحكم آية إلى آية ومعجزة إلى معجزة . الثاني : أنها كانت في وقت رخاء وفي وقت عاصفاً ، لأجل هبوبها على حكم إرادته . المسألة السادسة : قرىء الريح والرياح بالرفع والنصب فيهما فالرفع على الابتداء والنصب للعطف على الجبال ، فإن قيل : قال في داود : * ( وسخرنا مع داود الجبال ) * وقال في حق سليمان : * ( ولسليمان الريح ) * فذكره في حق داود عليه السلام بكلمة مع وفي حق سليمان عليه السلام باللام وراعى هذا الترتيب أيضاً في قوله : * ( يا جبال أوبي معه والطير ) * وقال : * ( فسخرنا له الريح تجري بأمره ) * فما الفائدة في تخصيص داود عليه السلام بلفظ مع ، وسليمان باللام قلنا يحتمل أن الجبل لما اشتغل بالتسبيح حصل له نوع شرف ، فما أضيف إليه بلام التمليك ، أما الريح فلم يصدر عنه إلا ما يجري مجرى الخدمة ، فلا جرم أضيف إلى سليمان بلام التمليك ، وهذا إقناعي . أما قوله : * ( إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين ) * أي إلى المضي إلى بيت المقدس ، قال الكلبي : كانت تسير في إصطخر إلى الشام يركب عليها سليمان وأصحابه . أما قوله : * ( وكنا بكل شيء عالمين ) * أي لعلمنا بالأشياء صح منا أن ندبر هذا التدبير في رسلنا وفي خلقنا ، وأن نفعل هذه المعجزات القاهرة . الإنعام الثاني : قوله تعالى : * ( ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملاً دون ذلك وكنا لهم حافظين ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : المراد أنهم يغوصون له في البحار فيستخرجون الجواهر ويتجاوزون ذلك إلى الأعمال والمهن وبناء المدن والقصور واختراع الصنائع العجيبة كما قال : * ( يعملون