فخر الدين الرازي

195

تفسير الرازي

واحد منهما من النعم . أما النعمة المشتركة فهي القصة المذكورة وهي قصة الحكومة ، ووجه النعمة فيها أن الله تعالى زينهما بالعلم والفهم في قوله : * ( وكلا آتينا حكماً وعلماً ) * ثم في هذا تنبيه على أن العلم أفضل الكمالات وأعظمها ، وذلك لأن الله تعالى قدم ذكره ههنا على سائر النعم الجليلة مثل تسخير الجبال والطير والريح والجن . وإذا كان العلم مقدماً على أمثال هذه الأشياء فما ظنك بغيرها وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال ابن السكيت النفش أن تنتشر الغنم بالليل ترعى بلا راع ، وهذا قول جمهور المفسرين ، وعن الحسن أنه يجوز ذلك ليلاً ونهاراً . المسألة الثانية : أكثر المفسرين على أن الحرث هو الزرع ، وقال بعضهم : هو الكرم والأول أشبه بالعرف . المسألة الثالثة : احتج من قال : أقل الجمع اثنان بقوله تعالى : * ( وكنا لحكمهم شاهدين ) * مع أن المراد داود وسليمان . جوابه : أن الحكم كما يضاف إلى الحاكم فقد يضاف إلى المحكوم له ، فإذا أضيف الحكم إلى المتحاكمين كان المجموع أكثر من الاثنين ، وقرئ وكنا لحكمهما شاهدين . المسألة الرابعة : في كيفية القصة وجهان . الأول : قال أكثر المفسرين : دخل رجلان على داود عليه السلام ، أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم فقال صاحب الحرث : إن غنم هذا دخلت حرثي وما أبقت منه شيئاً ، فقال داود عليه السلام : اذهب فإن الغنم لك . فخرجا فمرا على سليمان ، فقال : كيف قضى بينكما ؟ فأخبراه : فقال : لو كنت أنا القاضي لقضيت بغير هذا . فأخبر بذلك داود عليه السلام فدعاه وقال : كيف كنت تقضي بينهما ، فقال : ادفع الغنم إلى صاحب الحرث فيكون له منافعها من الدر والنسل والوبر حتى إذا كان الحرث من العام المستقبل كهيئته يوم أكل دفعت الغنم إلى أهلها وقبض صاحب الحرث حرثه . الثاني : قال ابن مسعود وشريح ومقاتل رحمهم الله : أن راعياً نزل ذات ليلة بجنب كرم ، فدخلت الأغنام الكرم وهو لا يشعر فأكلت القضبان وأفسدت الكرم ، فذهب صاحب الكرم من الغد إلى داود عليه السلام فقضى له بالغنم لأنه لم يكن بين ثمن الكرم وثمن الغنم تفاوت ، فخرجوا ومروا بسليمان فقال لهم : كيف قضى بينكما ؟ فأخبراه به ، فقال غير هذا أرفق بالفريقين ، فأخبر داود عليه السلام بذلك فدعا سليمان وقال له : بحق الأبوة والنبوة إلا أخبرتني بالذي هو أرفق بالفريقين ، فقال : تسلم الغنم إلى صاحب الكرم حتى يرتفق بمنافعها ويعمل الراعي في إصلاح الكرم حتى يصير كما كان ، ثم ترد الغنم إلى صاحبها ، فقال داود عليه السلام : إنما القضاء ما قضيت وحكم بذلك . قال ابن عباس رضي الله عنهما : حكم سليمان بذلك وهو ابن إحدى عشرة سنة ، وههنا أمور ولا بد من البحث عنها . السؤال الأول : هل في الآية دلالة على أنهما عليهما السلام اختلفا في الحكم أم لا ؟ فإن أبا بكر الأصم قال : إنهما لم يختلفا البتة ، وأنه تعالى بين لهما الحكم لكنه بينه على لسان سليمان عليه السلام . الجواب : الصواب أنهما اختلفا والدليل إجماع الصحابة والتابعين رضي الله عنهم على