فخر الدين الرازي
184
تفسير الرازي
المسألة الثانية : ظاهر الآية يدل على أن القائلين جماعة لا واحد ، فكأنهم كانوا من قبل قد عرفوا منه وسمعوا ما يقوله في آلهتهم فغلب على قلوبهم أنه الفاعل ولو لم يكن إلا قوله ما هذه التماثيل إلى غير ذلك لكفى . قوله تعالى * ( قَالُواْ فَأْتُواْ بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ * قَالُواْ ءَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بَِالِهَتِنَا يا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْاَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ * فَرَجَعُواْ إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُواْ إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ * قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلاَ يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ) * اعلم أن القوم لما شاهدوا كسر الأصنام ، وقيل إن فاعله إبراهيم عليه السلام قالوا فيما بينهم : * ( فأتوا به على أعين الناس ) * قال صاحب " الكشاف " : على أعين الناس في محل الحال أي فأتوا به مشاهداً أي بمرأى منهم ومنظر . فإن قلت : ما معنى الاستعلاء في علي ؟ قلت : هو وارد على طريق المثل أي يثبت إثباته في الأعين ثبات الراكب على المركوب . أما قوله تعالى : * ( لعلهم يشهدون ) * ففيه وجهان : أحدهما : أنهم كرهوا أن يأخذوه بغير بينة فأرادوا أن يجيئوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون عليه بما قاله فيكون حجة عليه بما فعل . وهذا قول الحسن وقتادة والسدي وعطاء وابن عباس رضي الله عنهم . وثانيهما : وهو قول محمد بن إسحاق أي يحضرون فيبصرون ما يصنع به فيكون ذلك زاجراً لهم عن الإقدام على مثل فعله ، وفيه قول ثالث : وهو قول مقاتل والكلبي أن المراد مجموع الوجهين فيشهدون عليه بفعله ويشهدون عقابه . أما قوله تعالى : * ( قالوا أأنت فعلت هذا ) * فاعلم أن في الكلام حذفاً ، وهو : فأتوا به وقالوا أأنت