فخر الدين الرازي
164
تفسير الرازي
في قوله عليه السلام : " ما أنا من دد ولا الدد مني " وقرئ حياً وهو المفعول الثاني . المسألة الثانية : لقائل أن يقول كيف قال : وخلقنا من الماء كل حيوان ، وقد قال : * ( والجان خلقناه من قبل من نار السموم ) * ( الحجر : 27 ) وجاء في الأخبار أن الله تعالى خلق الملائكة من النور وقال تعالى في حق عيسى عليه السلام : * ( وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيراً بإذني ) * ( المائدة : 110 ) وقال في حق آدم : * ( خلقه من تراب ) * ( آل عمران : 59 ) والجواب : اللفظ وإن كان عاماً إلا أن القرينة المخصصة قائمة ، فإن الدليل لا بد وأن يكون مشاهداً محسوساً ليكون أقرب إلى المقصود ، وبهذا الطريق تخرج عنه الملائكة والجن وآدم وقصة عيسى عليهم السلام ، لأن الكفار لم يروا شيئاً من ذلك . المسألة الثالثة : اختلف المفسرون فقال بعضهم المراد من قوله : * ( كل شيء حي ) * الحيوان فقط ، وقال آخرون بل يدخل فيه النبات والشجر لأنه من الماء صار نامياً وصار فيه الرطوبة والخضرة والنور والثمر ، وهذا القول أليق بالمعنى المقصود ، كأنه تعالى قال : ففتقنا السماء لإنزال المطر وجعلنا منه كل شيء في الأرض من النبات وغيره حياً ، حجة القول الأول أن النبات لا يسمى حياً ، قلنا لا نسلم والدليل عليه قوله تعالى : * ( كيف يحيي الأرض بعد موتها ) * ( الروم : 50 ) أما قوله تعالى : * ( أفلا يؤمنون ) * فالمراد أفلا يؤمنون بأن يتدبروا هذه الأدلة فيعلموا بها الخالق الذي لا يشبه غيره ويتركوا طريقة الشرك . النوع الثالث : قوله تعالى : * ( وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : أن تميد بهم كراهة أن تميد بهم أو لئلا تميد بهم فحذف لا واللام الأولى وإنما جاز حذف لا لعدم الالتباس كما ترى ذلك في قوله : * ( لئلا يعلم أهل الكتاب ) * . المسألة الثانية : الرواسي الجبال ، والراسي هو الداخل في الأرض . المسألة الثالثة : قال ابن عباس رضي الله عنهما : إن الأرض بسطت على الماء فكانت تنكفئ بأهلها كما تنكفئ السفينة ، لأنها بسطت على الماء فأرساها الله تعالى بالجبال الثقال . النوع الرابع : قوله تعالى : * ( وجعلنا فيها فجاجاً سبلاً لعلهم يهتدون ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال صاحب " الكشاف " : الفج الطريق الواسع ، فإن قلت في الفجاج معنى الوصف فمالها قدمت على السبل ولم تؤخر كما في قوله تعالى : * ( لتسلكوا منها سبلاً فجاجاً ) * قلت لم تقدم وهي صفة ، ولكنها جعلت حالاً كقوله : لعزة موحشاً طلل قديم ( c ) والفرق من جهة المعنى أن قوله سبلاً فجاجاً ، إعلام بأنه سبحانه جعل فيها طرقاً واسعة ، وأما قوله : * ( فجاجاً سبلاً ) * فهو إعلام بأنه سبحانه حين خلقها جعلها على تلك الصفة ، فهذه الآية بيان لما أبهم في الآية الأولى . المسألة الثانية : في قوله * ( فيها ) * قولان : أحدهما أنها عائدة إلى الجبال ، أي وجعلنا في الجبال التي هي رواسي فجاجاً سبلاً ، أي طرقاً واسعة وهو قول مقاتل والضحاك ورواية عطاء عن ابن عباس وعن ابن عمر قال كانت الجبال منضمة فلما أغرق الله قوم نوح فرقها فجاجاً وجعل فيها طرقاً . الثاني :