فخر الدين الرازي

139

تفسير الرازي

سورة الأنبياء عليهم السلام مائة واثنتا عشرة آية مكية بسم الله الرحمن الرحيم * ( اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ ) * اعلم أن قوله تعالى : * ( اقترب للناس حسابهم ) * فيه مسائل : المسألة الأولى : القرب لا يعقل إلا في المكان والزمان ، والقرب المكاني ههنا ممتنع فتعين القرب الزماني ، والمعنى اقترب للناس وقت حسابهم . المسألة الثانية : لقائل أن يقول كيف وصف بالاقتراب ، وقد عبر بعد هذا القول قريب من ستمائة عام والجواب من ثلاثة أوجه : أحدها : أنه مقترب عند الله تعالى والدليل عليه قوله تعالى : * ( ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده ، وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون ) * ( الحج : 47 ) . وثانيها : أن كل آت قريب وإن طالت أوقات ترقبه ، وإنما البعيد هو الذي انقرض قال الشاعر : فلا زال ما تهواه أقرب من غد * ولا زال ما تخشاه أبعد من أمس وثالثها : أن المعاملة إذا كانت مؤجلة إلى سنة ثم انقضى منها شهر ، فإنه لا يقال اقترب الأجل أما إذا كان الماضي أكثر من الباقي فإنه يقال : اقترب الأجل ، فعلى هذا الوجه قال العلماء : إن فيه دلالة على قرب القيامة ، ولهذا الوجه قال عليه السلام : " بعثت أنا والساعة كهاتين " وهذا الوجه قيل إنه عليه السلام ختم به النبوة ، كل ذلك لأجل أن الباقي من مدة التكليف أقل من الماضي .