فخر الدين الرازي
132
تفسير الرازي
اختلفوا فيه فبعضهم قال : أشرك وكفر ، وبعضهم قال : أسرف في أن عصى الله وقد بين تعالى المراد بذلك بقوله : * ( ولم يؤمن بآيات ربه ) * لأن ذلك كالتفسير لقوله : أسرف وبين أنه يجزي من هذا حاله بما تقدم ذكره من المعيشة الضنك والعمى وبين بعد ذلك أن : * ( عذاب الآخرة أشد وأبقى ) * أما الأشد فلعظمه ، وأما الأبقى فلأنه غير منقطع . قوله تعالى * ( أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِى مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِى ذَلِكَ لأَيَاتٍ لاُِوْلِى النُّهَى * وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى * فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ ءَانَآءِ الَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى ) * اعلم أنه تعالى لما بين أن من أعرض عن ذكره كيف يحشر يوم القيامة أتبعه بما يعتبر ( به ) المكلف من الأحوال الواقعة في الدنيا بمن كذب الرسل فقال : * ( أفلم يهد لهم ) * والقراءة العامة أفلم يهد بالياء المعجمة من تحت وفاعله هو قوله : * ( كم أهلكنا ) * قال القفال : جعل كثرة ما أهلك من القرون مبيناً لهم ، كما جعل مثل ذلك واعظاً لهم وزاجراً ، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي أفلم نهد لهم بالنون ، قال الزجاج : يعني أفلم نبين لهم بياناً يهتدون به لو تدبروا وتفكروا ، وأما قوله : * ( كم أهلكنا ) * فالمراد به المبالغة في كثرة من أهلكه الله تعالى من القرون الماضية وأراد بقوله : * ( يمشون في مساكنهم ) * أن قريشاً يشاهدون تلك الآيات العظيمة الدالة على ما كانوا عليه من النعم ، وما حل بهم من ضروب الهلاك ، وللمشاهدة في ذلك من الاعتبار ما ليس لغيره ، وبين أن في تلك الآيات آيات لأولي النهى ، أي لأهل العقول والأقرب أن للنهية مزية على العقل ، والنهي لا يقال إلا فيمن له عقل ينتهي به عن القبائح ، كما أن لقولنا : أولو العزم مزية على أولو الحزم ، فلذلك قال بعضهم : أهل الورع وأهل التقوى ، ثم بين تعالى الوجه الذي لأجله لا ينزل العذاب معجلاً على