فخر الدين الرازي
129
تفسير الرازي
عليه بالعفو والمغفرة وهداه رشده حتى رجع إلى الندم والاستغفار وقبل الله منه ذلك ، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لو جمع بكاء أهل الدنيا إلى بكاء داود كان بكاؤه أكثر ، ولو جمع كل ذلك إلى بكاء نوح لكان بكاء نوح أكثر ، وإنما سمي نوحاً لنوحه على نفسه ، ولو جمع كل ذلك إلى بكاء آدم لكان بكاء آدم على خطيئته أكثر " وقال وهب : إنه لما كثر بكاؤه أوحى الله تعالى إليه وأمره بأن يقول : " لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءاً وظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين " فقالها آدم عليه السلام ثم قال قل : " لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءاً وظلمت نفسي فارحمني إنك أنت أرحم الراحمين " ثم قال قل : " لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءاً وظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم " قال ابن عباس رضي الله عنهما : هذه الكلمات هي التي تلقاها آدم عليه السلام من ربه . قوله تعالى * ( قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِى أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذلِكَ نَجْزِى مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِايَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الاَْخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى ) * اعلم أن على أول هذه الآية سؤالاً وهو أن قوله : * ( اهبطا ) * ، إما أن يكون خطاباً مع شخصين أو أكثر فإن كان خطاباً لشخصين فكيف قال بعده : * ( فإما يأتينكم مني هدى ) * وهو خطاب الجمع وإن كان خطاباً لأكثر من شخصين فكيف قال : * ( اهبطا ) * وذكروا في جوابه وجوهاً : أحدها : قال أبو مسلم : الخطاب لآدم ومعه ذريته ولإبليس ومعه ذريته فلكونهما جنسين صح قوله : * ( اهبطا ) * ولأجل اشتمال كل واحد من الجنسين على الكثرة صح قوله : * ( فإما يأتينكم ) * قال صاحب " الكشاف " : لما كان آدم وحواء عليهما السلام أصلا للبشر والسبب اللذين منهما تفرعوا جعلا كأنهما