فخر الدين الرازي

127

تفسير الرازي

ثم إن الذي يدل على أن آدم عليه السلام قبل ذلك قوله تعالى عقيب ذكر الوسوسة فأكلا منها ، وهذا الترتيب مشعر بالعلية كقولهم : " زنى ماعز فرجم " " وسها رسول الله فسجد " فإن هذه الفاء تدل على أن الرجم كالمسبب للزنا والسجود كالمسبب للسهو فكذلك ههنا يجب أن يكون الأكل كالمعلل باستماع قوله : * ( هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ) * وإنما يحصل هذا التعليل لو قبل آدم ذلك منه ، فإنه لو رد قوله لما أقدم على الأكل بناء على قوله ، فثبت أن آدم عليه السلام قبل ذلك من إبليس ثم إنه سبحانه بين أنهما لما أكلا بدت لهما سوآتهما ، قال ابن عباس : عريا من النور الذي كان الله ألبسهما حتى بدت فروجهما وإنما جمع فقيل سوآتهما كما قال : * ( صغت قلوبكما ) * ( التحريم : 4 ) فإن قيل : هل كان ظهور سوآتهما كالجزاء على معصيتهما ، قلنا : لا شك أن ذلك كالمعلق على ذلك الأكل ، لكن يحتمل أن لا يكون عقاباً عليه ، بل إنما ترتب عليه لمصلحة أخرى أما قوله : * ( وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ) * ففيه أبحاث : البحث الأول : قال صاحب " الكشاف " : طفق يفعل كذا مثل جعل يفعل وأخذ وأنشأ وحكمها حكم كاد في وقوع الخبر فعلاً مضارعاً وبينها وبينه مسافة قصيرة ، وهي للشروع في أول الأمر ، وكاد لمقاربته والدنو منه . البحث الثاني : قرى يخصفان للتكثير والتكرير من خصف النعل ، وهو أن يخرز عليها الخصاف أي يلزقان الورقة على سوآتهما للستر وهو ورق التين ، أما قوله : * ( وعصى آدم ربه فغوى ) * فمن الناس من تمسك بهذا في صدور الكبيرة عنه من وجهين : الأول : أن العاصي اسم للذم فلا ينطلق إلا على صاحب الكبيرة لقوله تعالى : * ( ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها ) * ( النساء : 14 ) ولا معنى لصاحب الكبيرة إلا من فعل فعلاً يعاقب عليه . والوجه الثاني : أن الغواية والضلالة اسمان مترادفان والغي ضد الرشد ومثل هذا الاسم لا يتناول إلا الفاسق المنهمك في فسقه . أجاب قوم عن الكلام الأول فقالوا : المعصية مخالفة الأمر ، والأمر قد يكون بالواجب والندب فإنهم يقولون : أشرت عليه في أمر ولده في كذا فعصاني ، وأمرته بشرب الدواء فعصاني ، وإذا كان الأمر كذلك لم يمتنع إطلاق اسم العصيان على آدم لا لكونه تاركاً للواجب بل لكونه تاركاً للمندوب ، فأجاب المستدل عن هذا الاعتراض بأنا بينا أن ظاهر القرآن يدل على أن العاصي مستحق للعقاب والعرف يدل على أنه اسم ذم فوجب تخصيص اسم العاصي بتارك الواجب ، ولأنه لو كان تارك المندوب عاصياً لوجب وصف الأنبياء بأسرهم بأنهم عصاة في كل حال لأنهم لا ينفكون من ترك المندوب ، فإن قيل : وصف تارك المندوب بأنه عاص مجاز والمجاز لا يطرد ، قلنا : لما سلمت كونه مجازاً فالأصل عدمه ، أما قوله : أشرت عليه في أمر ولده في كذا فعصاني وأمرته بشرب الدواء فعصاني قلنا : لا نسلم أن هذا الاستعمال مروي عن العرب ، ولئن سلمنا ذلك ولكنهم إنما يطلقون ذلك إذا جزموا على المستشير بأنه لا بد وأن يفعل ذلك الفعل وأنه لا يجوز الإخلال بذلك الفعل